تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق . ولن ينصرف الوجه إلى اللّه تعالى إلا بانصرافه عما سواه فاجتهد في الحال في صرفه إليه ، وإن عجزت عنه على الدوام فليكن قولك في الحال صادقا . وإذا قلت : « حنيفا مسلما » فينبغي أن يخطر ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده ، فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا . فاجتهد في أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من الأحوال . وإذا قلت : « وما أنا من المشركين » فأخطر ببالك الشرك الخفي ، فإن قوله تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ
شرح
وهو بحر واسع ، ولا بدّ للعلماء باللّه من معرفته في التوجه ، وكلّ يفهم على قدر قربه ومقامه عند اللّه تعالى . ( وإياك أن تكون أول مفاتحتك للمناجاة ) مع اللّه تعالى ( بالكذب والاختلاق ) عطف تفسير ، وللسائل أن يقول : فكيف انصراف الوجه إلى اللّه تعالى ؟ فأجاب المصنف بقوله : ( ولن ينصرف الوجه إلى اللّه تعالى إلا بانصرافه عما سواه ) بأن لا يخطر فيه خاطر لغيره ( فاجتهد في الحال في صرفه إليه ) وأدم هذا التصوّر في القلب إلى آخر العمل حتى يتم ، ( وإن عجزت عنه على الدوام ) أي إلى آخر العمل ( فليكن قولك في الحال صادقا ) وهو أقل المراتب ، وهذا القدر هو الذي أفتى به علماء الظاهر نظرا إلى الوسع والطاقة والامكان . ( وإذا قلت « حنيفا مسلما » كما في بعض الروايات فينبغي أن يخطر ) حينئذ ( ببالك أن ) الحنيف هو المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق ، فإن لم تكن مائلا إلى الحق ظاهرا وباطنا كنت كاذبا في قولك ، وأن ( المسلم هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده ) كما أخرجه أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، والحاكم من حديث أبي هريرة « وأن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه » . رواه أبو داود . وعن سويد بن حنظلة « وأن المسلم مرآة المسلم فإذا رأى به شيئا فليأخذه » رواه ابن منيع عن أبي هريرة . ( فإن لم تكن كذلك كنت كاذبا ) في قولك ( فاجتهد أن تعزم عليه في الاستقبال وتندم على ما سبق من ) التقصير في ( الأحوال ) في أداء حق الإسلام . ( وإذا قلت : وما أنا من المشركين ) فاعلم أن الشرك على قسمين جلي وخفي ، فالجلي عبادة الأوثان والنجوم وغيرها من دون اللّه تعالى وقد صان اللّه أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم فلا يخطر هذا بباله مطلقا ، وإنما الكلام على القسم الثاني ( فاخطر ببالك الشرك الخفي ) الذي هو أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ، والإشارة في ذلك أن الحنف هو الميل كما تقدم ، والإسلام هو الانقياد ، فلما أثبت له الوصفين صح له أن يقول مائلا منقادا إلى جناب الحق من امكاني إلى وجوب وجودي بربي ، فيصح لي التنزه عن العدم فابقى في الخير المحض وما أنا في هذا الميل من المشركين . يقول : ما علمت بأمري وإنما الحق علمني كيف أتوجه إليه ، وبما ذا أتوجه إليه ، وعلى أي حالة أكون في التوجه إليه ؛ فافهم هذه الإشارة ولا تتعلق بظاهر العبارة ، ثم أشار إلى نفي الشرك الخفي بقوله : ( فإن قوله تعالى ) في آخر سورة الكهف : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا