تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
شرح
تنبيه : حال العبد المفقود لنفسه الموجود لسيده حال أبي يزيد البسطامي قدس سره حيث قال مشيرا إلى هذا المقام : انسلخت نفسي عن نفسي كما تنسلخ الحية عن جلدها ، فنظرت فإذا أنا هو ، والمعنى : أنه انسلخ عن شهوات نفسه وهواها وهمها فلم يبق فيه متسع لغيره تعالى ولم يكن همه سواه ، فإذا لم يجد في القلب إلا جلال اللّه وجماله حتى صار مستغرقا به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا ، وفرق بين قولنا هو هو ، وبين قولنا كأنه هو ، ولكن قد يعبر بقولنا هو هو عن قولنا كأنه هو هو توسعا ومجازا ، ومن ترقى بالمعرفة عن الموهومات والمحسوسات ، وبالهمة عن الحظوظ والشهوات نال هذا المقام وصفا له هذا المرام . ثم إذا قلت : لا شريك له وأنت تشرك معه في عبادته فهو كذب آخر والمعنى : لا إله مقصود بهذه العبارة إلا اللّه الذي خلقني من أجلها أي لا أشرك فيها نفسي بما يخطر له من الثواب الذي وعد اللّه لمن هذه صفته . وقد ذهب بعضهم إلى الحضور مع الثواب في حال هذه العبادة وكفر من لم يقل به وهذا ليس بشيء ، وهو من أكابر المتكلمين غير أنه لم يكن من العلماء باللّه في طريق الأذواق ، بل كان من أهل النظر الأكابر منهم ، ولا يعتبر عند أهل الكشف ما يخالفهم فيه علماء الرسوم إلا في نقل الأحكام المشروعة فإن فيها يتساوى الجميع ويعتبر فيها المخالف بالقدح في الطريق الموصل أو في المفهوم باللسان العربي ، وأما في غير هذا فلا يعتبر إلا مخالفة الجنس ، وهذا سار في كل صنف من العلماء بعلم خاص فافهم ذلك . وإذا قلت : وبذلك أمرت أي بمجموع ما ذكر من توجيه وجه البدن والقلب للكعبة وربها وبالتحنف والإسلام وعدم التشريك معه في العبادة وأنت في جميع ذلك عار عن الإخلاص غير مطابق قلبك مع بدنك ، وإنما أمرت أن تعبد اللّه مخلصا له دينه ففيه كذب آخر ، فإذا قلت : وأنا من المسلمين ، فالمسلمون عند شروطهم . فهل أنت تفي بتلك الشروط وتعرف حقوقهم التي أوجبها اللّه عليك ؛ ولا بد أنت تقصر عن ذلك فهذا كذب آخر ، فإذا كان دعاء الاستفتاح مشتملا على عدة أكاذيب ومخالفات ، فكيف حالك في سائر الصلاة ؟ وما توفيقي إلا باللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ثم قال المصنف : ( وإذا قلت ) : أي إذا فرغت من الذي ذكر فاشرع في القراءة على حد ما أمرك اللّه به عند قراءة القرآن من التعوذ لكونك قارئا لا لكونك مصليا ، فاستحضر في نفسك ما تعطيه لك الآية على قدر فهمك ، فإن الجواب يكون مطابقا لما استحضرته من معاني تلك الآية ، فإذا فرغت من التوجه فقل : ( « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » ) امتثالا لقول اللّه تعالى :فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ[ النحل : 98 ] وورد في السنة الصحيحة « أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم » والعارف إذا تعوذ ينظر الحال الذي أوجب له التعوذ ، وينظر إلى حقيقة ما يتعوذ به ، وينظر إلى ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوذ بحسب ذلك ، وأدنى الدرجات في الاستعاذة أن يستعيذ مما لا يلائم بما يلائم فعلا كان أو صفة هذه قضية
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 232 | مرتضى الزبيدي