تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
أعظم الخطر في ذلك لولا التوبة والاستغفار وحسن الظن بكرم اللّه تعالى وعفوه . وأما دعاء الاستفتاح ، فأول كلماته : « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض » ، وليس المراد بالوجه الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة ، واللّه سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك عليه . وإنما وجه القلب هو الذي تتوجه به إلى فاطر السماوات والأرض فانظر إليه أمتوجه هو إلى أمانية وهمه في البيت والسوق متبع للشهوات أو مقبل على فاطر السماوات ؟ وإياك أن تكون أول
شرح
باللسان المجرد وقد تخلف القلب عن مساعدته ) فكان قولا بلا عمل فلم يتم لك حقيقة الإيمان . ( وما أعظم الخطر في ذلك ) وما أصعبه ( لولا التوبة ) الصادقة ، ( والاستغفار ، وحسن الظن بكرم اللّه تعالى وعفوه ) . وإلى هذا الإشارة في قول اللّه تعالى :وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ[ المؤمنون : 8 ] فالعهد ما أعطيت بلسانك ، والرعاية الوفاء بالقلب ، فمن طابق قلبه لسانه دخل تحت هذا الثناء والمدح . ( وأما دعاء الاستفتاح ) ؛ أي الدعاء الذي يستفتح به الصلاة بعد أن يكبر ( فأول كلماته : « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض » ) أي خلقهن ، ( وليس المراد بالوجه ) فيه ( الوجه الظاهر فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة ) وصرفته عن غيرها ، ( واللّه سبحانه يتقدس عن أن تحده الجهات ) ويتعالى عن ذلك كما بين في محله وهذه عقيدة أهل السنة ، ( حتى تقبل بوجه بدنك عليه . وإنما وجه القلب ) الذي هو الوجه الباطن ( هو الذي تتوجه به ) بكليته ( إلى فاطر السماوات والأرض ) كما أن الوجه الظاهر تتوجه به إلى جهة القبلة ، ( فانظر إليه ) أي إلى وجه القلب ( أمتوجه إلى أمانيه ) التي سوّل بها الشيطان ( وهمومه ) الكائنة ( في البيت ) عند ماله وزوجته وعياله ( والسوق ) عند أمتعته والربح في معاملاته ، ( متبع للشهوات ) الكاذبة ( أو مقبل على فاطر ) الأرض ( والسماوات ) . يظهر لك الفرق والاعتبار في التوجه أن العالم باللّه من المناجين يقول : « وجهت وجهي » ووجه الشيء ذاته وحقيقته أي : نصبت ذاتي قائمة كما أمرتني للذي فطر السماوات والأرض والنظر فيه إلى قوله تعالى :فَفَتَقْناهُما[ الأنبياء : 30 ] أي الذي ميز ظاهري من باطني وغيبي من شهادتي ، وفصل بين القوى الروحانية في ذاتي كما فصل السماوات بعضها عن بعض بما أوحى في كل سماء بما جعل في كل قوّة من قوى سماواتي والأرض ففصل بين جوارحي ، فجعل للعين حكما وللاذن حكما ولسائر الحواس حكما وهو قوله :وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها[ فصلت : 10 ] وهو ما يتغذى به العقل الإنساني من العلوم التي تعطيه الحواس بما يركبه الفكر من ذلك لمعرفة اللّه ومعرفة ما أمره اللّه بالمعرفة به ، فهذا وما يناسبه ينظر العالم باللّه في التوجه بقوله : « فطر السماوات والأرض »