تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
قدّر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح ، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع . وإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها : إنك تدعين معرفة اللّه وحبه أفلا تستحين من استجرائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده ، أو تخشين الناس ولا تخشينه وهو أحق أن يخشى ؟ ولذلك لما قال أبو هريرة : كيف الحياء من اللّه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من قومك » . وروي « من أهلك » .
شرح
جلاله ) جل وعز أي : فمثل بما ذكرناه لك ليحصل لك التحقق بحسن الوقوف بين يدي مولاك في صلاتك ، ( بل قدّر ) وافرض ( في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ ومرقوب ) أي منظور ( بعين كالئة ) أي راقبة ( من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح ) والخير من غير أهلك ، ( فإنه تهدأ ) أي تسكن ( عند ذلك ) الملاحظة ( أطرافك وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك ) الظاهرة ( خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع ) . قال الراغب في الذريعة : حق الإنسان إذا همّ بقبيح أن يتصوّر أجل من في نفسه حتى كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ، ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ولا من الذين لا يميزون ، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد . ( فإذا أحسست من نفسك بالتماسك عند ملاحظة عبد مسكين ) مثله مثلك في العبودية ( فعاتب نفسك وقل لها : إنك تدعين معرفة اللّه عز وجل وحبه أفلا تستحين من اجترائك عليه مع توقيرك عبدا من عباده ) وتماسكك عند ملاحظته ، ( أو تخشين الناس ولا تخشين اللّه وهو ) جل وعز ( أحق أن تخشينه ) ؟ فإنك إذا علمت أن اللّه يراك استحييت من ارتكاب الغفلة في عبادته ، ومن لم يستح من ربه فليس له نصيب في معرفته ، والحياء من اللّه هو الأصل والأساس . ( ولذلك لما قال أبو هريرة ) رضي اللّه عنه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( كيف الحياء من اللّه تعالى ) حين سمع « استحيوا من اللّه حق الحياء » ؟ ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من أهلك » ) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ، والبيهقي في الشعب من حديث سعيد بن يزيد مرسلا بنحوه ، وأسنده البيهقي بزيادة ابن عمر في السند ، وفي العلل للدارقطني عن ابن عم له وقال : إنه أشبه شيء بالصواب أورده في حديث سعيد بن زيد أحد العشرة قاله العراقي .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 223 | مرتضى الزبيدي