تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
الآبق الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء والخوف . وأما الاستقبال ؛ فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت اللّه تعالى ، أفترى أن صرف القلب عن سائر الأمور إلى أمر اللّه عز وجل ليس مطلوبا منك هيهات فلا مطلوب سواه . وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغي على القلب فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها والتفاتها إلى جهاتها استتبعت القلب وانقلبت به عن وجه اللّه عز وجل . فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك . فاعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالانصراف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى اللّه عز وجل إلا بالتفرغ عما سواه ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى اللّه عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه » .
شرح
يدي اللّه قيام العبد المجرم ) الكثير الجرم القليل الجرم ( المسئ ) في حق نفسه بمتابعة المخالفات ( الآبق ) أي الفار من سيده ( الذي ندم ) على ما فرط فيه من الإساءة والإباق ( فرجع إلى مولاه ) بذل وانكسار ( ناكسا رأسه ) أي خافضا كالذي يفعله ( من ) شدة ( الحياء والخوف ) فعسى مولاه يقبله بلطفه ويقابله بعفوه . ( وأما الاستقبال ، فهو ) شرعا ( صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات ) المختلفة ( إلى جهة بيت اللّه تعالى ) . المسمى بالكعبة والقبلة ، وأطلق الجهة وأراد بها العين هنا كما هو مذهبه من اشتراطه للمكي وغيره ، ( أفترى أن صرف القلب ) الذي هو باطنك ( من سائر الأمور ) التي تتصف بالغيرية ( إلى أمر اللّه تعالى ) وقطع الملاحظة عنها ( ليس مطلوبا منك . هيهات فلا مطلوب ) في الحقيقة ( سواه ) أي الاشتغال به وترك ما سواه ، ( وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن ) وأدلة عليها ( وضبط للجوارح وتسكين لها ) عن التحرك فيما لا ينبغي ( بالاثبات في جهة واحدة ) حتى تكون أنموذجا في توجيه القلب إلى الرب ، ( وحتى لا تبغي على القلب ) أي لا تتجاوز عليه من حدوده ، ( فإنها إذا بغت وظلمت في حركاتها ) الطبيعية ( والتفاتها إلى جهاتها ) يمنة ويسرة وقدّام ( استتبعت القلب ) أي جعلته تابعا لها ( وانقلبت به عن وجه اللّه تعالى ) فيعسر حينئذ صرفه عنها . ( فليكن وجه قلبك ) مصاحبا ( مع وجه بدنك ) في استقبالهما وتوجههما ، ( واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت ) الحرام ( إلا بالانصراف عن غيرها ) من الجهات ( فلا ينصرف القلب إلى اللّه عز وجل ) أيضا ( إلا بالتفرغ عما سواه ) أي إخلائه عن خطرات السوى والغير ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : ( « إذا قام العبد إلى صلاته فكان هواه ) أي ميله أو محبته ( ووجهه وقلبه ) أي ظاهره وباطنه ( إلى اللّه عز وجل انصرف من ذنوبه ) أي مغفورا منها ( كيوم ولدته أمه » ) .