وأما ستر العورة ؛ فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق ، فإن ظاهر بدنك موقع لنظر الخلق فما بالك في عورات باطنك وفضائح سرائرك التي لا يطلع عليها إلا ربك عز وجل ؟ فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب نفسك بسترها وتحقق أنه لا يستر عن عين اللّه سبحانه ساتر . وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنهما فتذل بها نفسك ويستكين تحت الخجلة قلبك وتقوم بين يدي اللّه عز وجل قيام العبد المجرم المسئ
شرح
فإذا وجد توثيق العزم على أن لا يعود مع الندم فهي التوبة النصوح ( فطهر بها ) أي بالتوبة ( باطنك ) أي قلبك ، ( فإنه موقع نظر معبودك ) كما ورد « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم إنما ينظر إلى قلوبكم » وورد أيضا القلب بيت الإيمان باللّه ومعرفته ومحبته » . وأما ما اشتهر على الألسنة : القلب بيت الرب ، فمعناه صحيح ، ولكن هذا اللفظ ليس له أصل في المرفوع كما نبه عليه السخاوي في المقاصد ، ويكفيك من جلالته « أنه إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله » كما في الصحيحين ، ثم أن تطهير القلب بما ذكر لا بدّ له من مرشد صادق ماهر بالعلاج يريه طرق الإصلاح وكيفية التطهير ، فليس له حد يضبط ولا مرمى ينتهى إليه ، فإذا حصل التطهير فلا بد من التنوير وتصقيله عن صدى التكدير بالملازمة على ذكره المناسب لحاله في الإيراد والتصدير .
( وأما ستر العورة ؛ فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك ) أي مما يقبح ظهوره فيستر ( عن أبصار الخلق ) مأخوذ من العور بالتحريك وهو النقص والعيب والقبح ، ومنه الكلمة العوراء وهي القبيحة ، ( فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق ) كما أن باطنه الذي هو القلب موقع نظر الخالق ، ( فما رأيك ) وفي نسخة : فما بالك ( في عورات باطنك ) أي مقابحها وعيوبها ( وفضائح سرائرك ) جمع سريرة ، كما أن الفضائح جمع فضيحة وفي نسخة : سرك ( الذي لا يطلع عليه إلا ربك ) عز وجل ؟ ( فاحضر تلك الفضائح ببالك ) وتخيلها فيه ( وطالب نفسك ) بعد محاسبتها ( بسترها وتحقق أنه لا يسترها عن عين اللّه ساتر ) لأنه تعالى يرى المستور كما يرى المكشوف ، ولذا منعوا الاغتسال في الماء عريانا ، والصلاة في بيت مظلم عريانا ، ومن جوّزه جعل الستر مشتملا على حق اللّه تعالى وحق العباد وإن كان مراعى في الجملة بسبب استتاره عنهم ، فحق اللّه ليس كذلك وهو نظر أهل الظاهر ، ( وإنما يكفرها ) أي تلك الفضائح ( الندم ) على ما سبق ( والحياء ) من اللّه تعالى ( والخوف ) منه ( فتستفيد بإحضارها ) أي تلك الفضائح ( في قلبك ) كما ذكر ( انبعاث جنود الخوف و ) عساكر ( الحياء من مكامنها فتذل بها ) وفي نسخة : به ( نفسك ) أي : تصير ذليلة منقادة ( ويستكين ) أي يخضع . والسين زائدة مأخوذة من الكينة ( تحت الخجلة قلبك ) ، وهذا هو الدواء النافع في ستر تلك الفظائع ، فإذا تنصلت منها صرت في حكم مستور العورة ( وتقوم بين