تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وأما الطهارة ؛ فإذا أتيت بها في مكانك وهو ظرفك الأبعد ، ثم في ثيابك وهي غلافك الأقرب ، ثم في بشرتك وهو قشرك الأدنى فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك فاجتهد له تطهيرا بالتوبة والندم على ما فرطت وتصميم العزم على الترك في المستقبل فطهر بها باطنك فإنه موقع نظر معبودك .
شرح
« أرحنا بلال » أي بالصلاة أي أرحنا إليها نعمنا بها من الروح والراحة إليها . يقال : ارحنا بالشيء أي روحنا به وأرحنا منه أي أسقطه عنا وخفف عنا منه ، ولم يقل أرحنا منها ، كيف وقرة عينه بها ؟ اه . وقد أشار بذلك إلى الحديث المشهور : « حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة » كما رواه أحمد في كتاب الزهد ، والنسائي ، والحاكم ، والبيهقي عن أنس رضي اللّه عنه . وسيأتي الكلام على تخريج هذا الحديث وما يتعلق به من الإشارات حيث يذكره المصنف إن شاء اللّه تعالى ، وإنما كان قرة عينه صلّى اللّه عليه وسلم في الصلاة لكونها محل المناجاة ومعدن المعافاة ، وأفرد الصلاة بما يميزها عن الطيب والنساء بحسب المعنى . إذ ليس فيها تقاضي شهوة نفسانية كما فيهما ، على أن بعض العارفين قد صرح بأن التكاليف كلها في حقه صلّى اللّه عليه وسلم قد رجعت قرة عين ، فليست على سبيل الكلفة والتكلف . وأخرجه عبد اللّه بن أحمد في زوائد مسند أبيه عن أنس مرفوعا « جعلت قرة عيني في الصلاة وحبب إلي النساء والطيب الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حبهن » . ( وأما الطهارة ) . فهي على قسمين صغرى وكبرى ، فالصغرى متعلقها ثلاثة : المكان ، والثوب ، والبدن ، والمزال عنها الحدث والخبث . والكبرى متعلقها القلب والمزال عنه الصفات الذميمة ، والمزيل في القسم الأول الماء ، وفي الثاني التوبة ، ثم إن القسم الأول هو حظ الفقهاء فلا يعدو نظرهم عنه لأنهم لا يشقون عن القلوب ، والثاني حظ الخاشعين وقد أشار المصنف إلى القسمين بقوله : ( فإذا أتيت بها في مكانك ) الذي تصلي عليه بأن طهرته من كل نجاسة ظاهرة ( وهو ظرفك الأبعد ) جعل المكان ظرفا إذ بالصلاة عليه صار كأنه يحل فيه ، ووصفه بالأبعد نظرا للبدن والثوب ، أو سماه ظرفا تشبيها بالإناء الذي يوضع فيه الشيء ، ( ثم ) أتيت بها ( في ثيابك ) التي تلبسها على بدنك ( وهي غلافك الأقرب ) سمى الثياب غلافا تشبيها لها بغلاف السكين ونحوه . أي : ما يحجبه ويصونه بجامع الحجب والصون في كل منهما ، ووصفه بالأقرب بالنسبة إلى المكان لشدة ملازمتها للبدن ، ( ثم ) أتيت بها ( في بشرتك ) بالتحريك هو البدن ( وهو قشرك الأدنى ) أي الأقرب ( فلا تغفل عن لبك الذي هو ذاتك ) أي حقيقتك ( وهو قلبك ) شبهه بالثمرة التي لها قشور داخلة وظاهرة موضوعة في ظرف ، فذلك الظرف هو المكان ، وقشره الخارج الثوب ، وقشره الداخل هو البدن ، ولبه الباطن هو القلب . ( فاجتهد له تطهيرا ) ينظفه من سائر الخبائث ( بالتوبة ) الصادقة بشروطها ( و ) أعظمها ( الندم على ما فرط ) منك أي سبق ( وتصميم العزم ) وتأكيده ( على الترك ) أي ترك العود ( في المستقبل ) ،