يحضرون المساجد ويغضون البصر ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم . وكان ابن عمر رضي اللّه عنهما لا يدع في موضع الصلاة مصحفا ولا سيفا إلا نزعه ولا كتابا إلا محاه .
وأما الأسباب الباطنة ، فهي أشد فإن من تشعبت به الهموم في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد ، بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب ، وغض البصر لا يغنيه ، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل فهذا طريقه أن يرد النفس قهرا إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ويشغلها به عن غيره ، ويعينه على ذلك أن يستعد له قبل التحريم بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة وموقف المناجاة وخطر المقام بين يدي اللّه
شرح
المعروفة بالعزب ، ( والأقوياء منهم ) أي من المتعبدين ( كانوا يحضرون المساجد ) ويختلفون إليها ( ويغضون البصر ) في مرورهم إليها وحالة دخولهم في الصلاة فيها ، ( ولا يجاوزون به موضع السجود ) متابعة منهم لما روي ، وأن لا يجاوز بصره إشارته كما تقدم ، ( ويرون كمال الصلاة في أن لا يعرفوا من على يمينهم وشمالهم ) وفي نسخة : على أيمانهم وشمائلهم ، وهذا قد تقدم من حال سعيد بن المسيب وقد أخذه عن ابن عباس . ( وكان ابن عمر ) رضي اللّه عنه ( لا يدع في موضع الصلاة ) أي بين يديه ( مصحفا ) موضوعا على الأرض أو معلقا بعلاقة ، ( ولا سيفا ) كذلك ( إلا نزعه ) أي رفعه من موضعه ، ( ولا كتابا ) في جدار ( إلا محاه ) وفي نسخة : نحاه أي أزاله . وكل ذلك ليكون أجمع للخاطر وادعى للفكر عن التفرق ، ويدخل في هذا ما إذا وضع قنديلا بين يديه أو شمعا أو كانون نار مع ما في الأخير من التشبه بعبادة المجوس ، وقد قال أصحابنا بكراهته واللّه أعلم .
( وأما الأسباب الباطنة ، فهي أشد ) تأثيرا في القلب وأكثر رسوخا وأبعد زوالا وذهابا ( فإن من تشعبت به الهموم ) أي تفرقت وتشتت ( في أودية الدنيا ) وشعابها ( لم ينحصر فكره في فن واحد ) أي نوع واحد . وأورد صاحب القوت حديثا مرفوعا « من تشعبت به الهموم لم يبال اللّه في أي أوديتها هلك » . ( بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب ) ومن فن إلى فن ، فتارة هو بالمشرق إذا هو قد ذهب إلى المغرب وبالعكس ، ( وغض البصر ) وكفه عن مخيلاته ( لا يغنيه في ذلك ) ولا يجديه نفعا ولو تكلف ، ( فإن ما وقع في القلب من قبل ) وتمكن فيه ورسخ ( كاف للشغل ) وفي نسخة : في الشغل ، ( فهذا ) يصعب علاجه ويطول مراسه في إنجاح الدواء فيه و ( طريقه أن يرد النفس قهرا ) عنها ( إلى فهم ما يقرؤه في الصلاة ) من القرآن والتسبيح والتحميد والتعوذ والثناء ( ويشغلها به عن غيره ، ويعينه على ذلك أن يستعد له ) أي يتهيأ ( قبل التحريم ) وفي نسخة : التحرم أي بالصلاة ( بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة ) وأمورها وأحوالها ( وموقف المناجاة ) خاصة وبما ذا يناجيه ( وخطر المقام ) أي عظمه ( بين يدي اللّه تعالى ) ولا مال ولا بنون ولا مساعد ولا معين ( وهول المطلع ) هو