تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
ثم تصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض . ومن قويت نيته وعلت همته لم يلهه ما جرى على حواسه ولكن الضعيف لا بدّ وأن يتفرق به فكره . وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يغض بصره ، أو يصلي في بيت مظلم ، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ويقرب
شرح
إلى غيره وتتسلسل ) ويصعب انقطاعه ( وتكون الأبصار سببا للافتكار ) ومن الحكمة قولهم : من أدار ناظره أتعب خاطره ، ( ثم يصير بعض تلك الأفكار ) الواردة ( سببا للبعض ) فيجر بعضها بعضا ويتصف بصفة الرسوخ في القلب ، فإن لم يستعجل باخراج سببها عاجلا بهمة مرشد كامل وإلا صار صاحبها مقيتا ممقتا لا ينجع فيه الدواء ولا يرفع رأسه للهدى ، ولا يرضى بالاقتداء فيعود في ضلالة كما بدى ، ( ومن قويت نيته ) وصفت طويته ( وعلت همته ) بأن أخدمها معالي الأمور وشغلها بالمعارف الإلهية وحاطها عن التسفل بالأحوال الدنية ( لم يلهه ) أي لم يشغله ( ما جرى على حواسه ) الظاهرة التي منها الأذن والعين بل والباطنة . كذلك ويكون هو في حال كأنه لم ير وكأنه لم يسمع ، ( ولكن الضعيف ) الإيمان أو اليقين ( لا بد وأن يتفرق به ) أي بما يمر على حواسه ( فكره ) ، فلا بد له من كسب ما يزيل هذا التفرق . وقد أشار إلى ذلك بقوله : ( وعلاجه ) الناجع ( قطع هذه الأسباب ) ومحو علائقها عن القلب ، وتلك الأسباب الشاغلة له في الظاهر إثنا عشرة : فمنها ما يتعلق بنفس حال المصلي وهي خمسة الحقن والحقب والخرق والجوع والغضب ، فهذه مشوشات للمصلي تمنعه من الحضور في الحضرة مطلقا . وقد ذكرها المصنف آنفا ، ومنها ما يراعى من خارج وهي سبعة أشار المصنف إلى الأول منها بقوله : ( بأن يغض بصره ) أي المصلي بضم عينه هكذا فهمه مختصر الكتاب في عين العلم وتبعه شارحه ، وفي ضم العين في الصلاة ، كلام سبق بعضه ، فصاحب القوت والعوارف يأمران بفتحها وعللا بكونهما تسجدان مع المصلي ، فإذا اغمضتا لم تسجدا . وفي المنهاج قيل : يكره تغميض عينيه . قال الشارح : قاله العبدري من أصحابنا وعلله بكونه من فعل اليهود . قال النووي : وعندي لا يكره هكذا عبر به في المنهاج ، وعبر في الروضة بالمختار إن لم يخف منه ضررا على نفسه لعدم ورود النهي فيه . وقال ابن النقيب : وينبغي أن يحرم في بعض صوره ، وأفتى ابن عبد السلام بأنه إذا كان عدم ذلك يشوش عليه خشوعه أو حضور قلبه مع ربه ، فالتغميض أولى من الفتح اه . والذي يظهر لي أن المراد بغض البصر هنا كفه عن الالتفات يمنة ويسرة وهو أعم من المعنى الذي ذكروه وأليق بسياق المصنف لا ضمه كما فهمه صاحب عين العلم ، على أن أصحابنا أجازوا تغميض العين في النوافل دون الفرائض ، وعللوا بأن مبنى النوافل على الرغبة والنشاط والرخصة فيجوز فيها ما لا يجوز في الفرائض ، ومنهم من قال : يغمضهما حال القيام ويفتحهما حال السجود ، وبهذا يجمع بين القولين واللّه أعلم . وأشار المصنف إلى السبب الثاني بقوله : ( أو يصلي في بيت مظلم ) لا سراج فيه فإنه أجمع للحواس ، فإن كانت كوة يدخل منها بعض النور لا بأس والظلام يقصر النظر عن الالتفات