تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
من حائط عند صلاته حتى لا تتسع مسافة بصره ، ويحترز من الصلاة على الشوارع ، وفي المواضع المنقوشة المصنوعة ، وعلى الفرش المصبوغة . ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ليكون ذلك أجمع للهم . والأقوياء منهم كانوا
شرح
ويمنعه عن الانتشار ، وكان بعض مشايخنا يختار ذلك وبعض مشايخنا يكره الصلاة في البيت المظلم ويقول : إنه يدخل الرعب في القلب فيشتغل به المصلي عن الخشوع ، والحق أن هذا يختلف باختلاف المصلين وباختلاف الأحوال ، فمن وجد في نفسه وحشة من الظلام تمنعه عن الخشوع فلا بأس بأن يشعل سراجا ويكون بعيدا منه . وأشار إلى السبب الثالث بقوله : ( أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه ) أعم من أن يكون سلاحا أو ثوبا أو كتابا أو نقشا أو غير ذلك مما ينظر إليه ويتعجب منه ، ( و ) السبب الرابع : أن ( يقرب من حائط ) أي جدار ( عند الصلاة ) إن كان البيت واسعا ( حتى لا يتسع مسافة بصره ) فإن لم يمكنه فبسترة حائلة يقصر بصره عليها ، فإن لم يمكنه فبخط يخطه يكون نظره عليه لا يتجاوزه ، ( و ) أشار إلى السبب الخامس بقوله : ( يحترز من الصلاة على الشوارع ) جمع شارعة وهي قارعة الطريق التي يسلكها الناس عامة ولا يختص بقوم دون قوم ، فإنها على قوارع الطريق تحدث أشغالا كثيرة تمنع الخشوع لاختلاف الناس في ذهابهم ورواحهم ولغطهم وغوغاهم . ( و ) السبب السادس : أن يحترز من الصلاة ( في المواضع المنقوشة ) بأنواع الاصباغ من الحمرة والصفرة والخضرة والزرقة في سقوفها وجدرانها ( المصنوعة ) بأنواع الصنائع الغريبة في تركيبها وهيأتها ، وقد ابتلي الناس بزخرفة المساجد ونقشها بالصباغ المختلفة وعدوا ذلك إكراما لبيت الرب وذهلوا أنها من جملة الشواغل للمصلين وهو من أعظم البدع والحوادث ، وقد أطال فيها ابن الحاج في المدخل فراجعه . ( و ) السبب السابع : أن يحترز من الصلاة ( على الفرش المصبوغة ) بالألوان المفرحة ، فإنها تلهي المصلي عن الحضور ويلتفت إلى حسن لونه وصنعته ، وقد بلينا بالصلاة على هذه البسط الرومية والزرابي المزخرفة في المساجد والبيوت ، حتى صار المصلي على غيرها كاد أن يعد جافيا قليل الأدب ناقص المروءة ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، وما أظن ذلك إلا من جملة وساس الإفرنج لعنهم اللّه تعالى التي ادخلوها على المسلمين وهم غافلون عنها لا يدرون عن ذلك ، وأغرب من ذلك أني رأيت بساطا في مسجد من المساجد عليه نقش ، وفي داخل النقش صورة الصليب فازداد تعجبي من ذلك وتيقنت أنه من دسائس النصارى واللّه أعلم . وبين في وعلى حسن الطباق ، وبين المصنوعة والمصبوغة حسن الجناس . ( ولذلك كان المتعبدون ) من السادة الصوفية ( يتعبدون في بيت صغير مظلم سعته قدر السجود ) أي قدر أن يقف المصلي وينحط إلى السجود بمد ضبعيه ( ليكون ذلك أجمع للهم ) من التشتت ، ومن ذلك الخلاوي التي تبنى للصوفية في الخانقاهات . منها في خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة التي بناها السلطان المرحوم صلاح الدين يوسف بن أيوب قدس اللّه سره ، ومنها في رواية القطب سيدي محمد دمرداش المحمدي رحمه اللّه تعالى التي ظاهر القاهرة عند قبة يشيك
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 201 | مرتضى الزبيدي