بيان الدواء النافع في حضور القلب :
اعلم أن المؤمن لا بدّ أن يكون معظما للّه عز وجل وخائفا منه وراجيا له ومستحييا من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال بعد إيمانه ، وإن كانت قوّتها بقدر قوة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلّا تفرق الفكر ، وتقسيم الخاطر ، وغيبة القلب عن المناجاة ، والغفلة عن الصلاة . ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطر الواردة الشاغلة ، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه . فلتعلم سببه . وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمرا خارجا أو أمرا في ذاته باطنا .
أما الخارج ، فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهمّ حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجر منه الفكرة إلى غيره ويتسلسل ، ويكون الإبصار سببا للافتكار ،
شرح
بيان الدواء النافع في حضور القلب : أي بيان الذي يكون محصلا للحضور بضرب من التنبيه والإشارة وسماه دواء مجازا . ( اعلم أن المؤمن ) من حيث هو مؤمن ( لا بد أن يكون معظما للّه عز وجل ) تعظيما يليق بجلاله وكبريائه وهو من قواعد الإيمان ، فإن لم يوجد التعظيم لم يوجد الإيمان ، ( وأن ) يكون ( خائفا منه ) أي من بطشه وسطوته وعذابه وهذا فرع من التعظيم ، فإن الذي يعظم أحدا يهابه ( وراجيا له ) هو كذلك فرع عن التعظيم ( ومستحييا من تقصيره ) وهو كذلك فرع عن التعظيم ( فلا ينفك عن هذه الأحوال ) التعظيم وما يتفرع منه ( بعد إيمانه وإن كان قوتها ) أي تلك الأحوال ( بقدر قوة يقينه ) ، فمن ازداد نور يقينه ظهر الكمال له في تلك الأحوال ( فانفكاكه منها في الصلاة لا سبب له ) فيما استقرىء ( إلا ) أربعة أشياء ( تفرق الفكر ، وتقسيم الخاطر ) أي تشتيته ، ( وغيبة القلب عن المناجاة ، والغفلة عن الصلاة ) والمراد من الخاطر هنا الموضع الذي فيه يخطر الرأي أو المعنى ، ثم أن هذه الثلاثة الأول إذا اجتمعوا طمسوا القلب وأورثوا الغفلة في الصلاة ، ( ولا يلهي عن الصلاة ) أي لا يشغل عنها ( إلا الخواطر الواردة الشاغلة ) عن إحضار القلب منها ما هي نفسانية التي فيها حظ للنفس وتسمى أيضا هواجس ، ومنها ما هي شيطانية وهو ما يدعو إلى مخالفة الحق تعالى ، وكل من القسمين مراد هنا . وأما الخواطر الإلهية والملكية ، فإنها تبعث على الخير فلا تمنع المصلي من حضور قلبه ، ( فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ) الواردة على القلب ( ولا بدفع الشيء لا بدفع سببه ) لما تقدم ( فلتعلم سببه ) أولا . ( وسبب توارد الخواطر ) لا يخلو ( إما أن يكون أمرا خارجا ) يدرك بإحدى الحواس ، ( أو أمرا في ذاته باطنا ) .
( أما الخارج فما يقرع السمع أو يظهر للبصر فإن ذلك قد يختطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ) لأنه ليس للفكر أضر مما يدخل عليه من هذين البابين السمع والبصر ، فإذا حفظا حفظ الفكر ، وإذا استتبعها توسع الحال في توارد الخطرات وإليه أشار بقوله : ( ثم تنجر منه الفكرة