ذكره ، فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان ، وباختلاف المعاني التي ذكرناها في القلوب انقسم الناس إلى غافل يتمم صلاته ولم يحضر قلبه في لحظة منها ، وإلى من يتمم ، ولم يغب قلبه في لحظة ، بل ربما كان مستوعب الهم بها بحيث لا يحس بما يجري بين يديه ، ولذلك لم يحس مسلم بن يسار بسقوط الأسطوانة في المسجد اجتمع الناس عليها .
وبعضهم كان يحضر الجماعة مدة ولم يعرف قط من على يمينه ويساره . ووجيب قلب إبراهيم صلوات اللّه عليه وسلامه كان يسمع على ميلين ، وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم وكل ذلك غير مستبعد ، فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم ، حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير ويحدثه بمهمته ثم يخرج ، ولو سئل عمن حواليه أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه
شرح
( فكيف إذا اجتمعت الغفلة والعصيان ) جميعا ؟ فالمصيبة أشد والعقوبة آكد . ( وباختلاف المعاني التي ذكرناها انقسم الناس إلى ) قسمين : ( غافل ) القلب ( يتمم صلاته ) بأداء أركانها وسننها ورعاية آدابها ( ولم يحضر قلبه في لحظة منها ، وإلى من يتمم ) أركانها بالوجه المذكور ( ولم يغب قلبه في لحظة ) منها ، بل هو معمور بالحضور مملوء بالنور ، ( بل ربما كان مستوعب الهم به ) أي بالقلب ( بحيث لا يحس ) أي لا يدرك ( بما يجري بين يديه ) أي بحضرته قريبا منه ، وهذا مقام الاستغراق ( ولذلك لم يحس مسلم بن يسار ) الدمشقي تقدمت ترجمته ( بسقوط أسطوانة في المسجد ) الجامع بالبصرة ( اجتمع الناس عليها ) فجاء الناس يهنونه على سلامته فلم يحس بذلك كله ، ( وبعضهم ) وهو سعيد بن المسيب كما في القوت ( حضر الجماعة مدة ) أي أربعين سنة كما في القوت ( ولم يعرف قط من على يمينه ويساره ) وذلك من كمال خشوعه وقد تقدم ذلك أيضا . ( ووجيب قلب إبراهيم عليه السلام كان يسمع من ميل ) وتقدم للمصنف من ميلين ، ( وجماعة كانت تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم ) عند القيام إلى الصلاة . منهم علي بن أبي طالب ، ومنهم علي بن الحسين بن علي رضي اللّه عنهم ، وقد تقدم النقل عن كل منهما في أول هذا الكتاب ( وكل ذلك غير مستبعد ) عقلا ، ( فإن أضعافه مشاهد ) مرئي ( في همم أهل الدنيا وخوف ملوك الدنيا ) من إحضار القلب وحسن الإصغاء لما يرد إليه ، وعدم الالتفات وكمال الهيبة والخشوع والإنصات وتغير اللون والوجل ( مع ) كمال ( عجزهم وضعفهم ) وذلهم ( وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم ) من الحطام الدنيوي ، ( حتى يدخل الواحد ) منهم ( على ملك أو وزير ) أو ذي جاه ( ويحدثه بمهمته ويخرج من عنده ، ولو سئل عمن حواليه ) من الجلاس أو الوقوف ( أو عن ثوب الملك ) الذي كان عليه ( لكان لا يقدر على الإخبار عنه ) وفي نسخة : عن ذلك ( لاشتغال همه به عن ثوبه ) الملبوس ( وعن الحاضرين حوله ) وفي نسخة : حواليهوَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا