تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
[ النساء : 43 ] تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق الهم بالوسواس وأفكار الدنيا ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الصلاة تمسكن وتواضع » . حصر بالألف واللام ، وكلمة « إنما » للتحقيق والتوكيد ، وقد فهم الفقهاء من قوله عليه
شرح
[ النساء : 43 ] قيل : سكارى من حب الدنيا ، وقيل : من الاهتمام . فقوله :حَتَّى تَعْلَمُوا( تعليل لنهي السكران ) عن قربان حضرة الصلاة التي هي مناجاة ( وهو مطرد في الغافل ) الساهي ( المستغرق الهمّ بالوسواس ) . وفي نسخة : بالوساوس ( وأفكار الدنيا ) الشاغلة ، فإن مستغرق الهم كذلك بمنزلة السكران بجامع أن كلّا منهما يصرف عن التيقظ فيما شأنه أن يتيقظ فيه . وقد استدل صاحب القوت بهذه الآيات الثلاثة على اثبات المطلوب ، وتبعه المصنف فيما ذكره مع زيادة إيضاح وبيان . وزاد صاحب القوت فقال : وقال اللّه تعالى :الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ[ المعارج 23 ] قال : ومن الدوام في الصلاة السكون فيها . وقال أيضا : قيل الدوام فيها الطمأنينة ، ويقال : ماء دائم إذا كان ساكنا . قلت : ومنه حديث النهي عن البول في الماء الدائم ، وجاء في بعض رواياته زيادة : الذي لا يجري ، وهكذا هو شأن الساكن . وقال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين في صفات أوليائه المؤمنين :قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ[ المؤمنون : 1 و 2 ] فمدحهم بالصلاة كما ذكرهم بالايمان ، ثم مدح صلاتهم بالخشوع كما افتتح بالصلاة أوصافهم ، ثم قال في آخرها :وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ[ المؤمنون : 9 ] فختم بها نعوتهم . وقال في نعت عباده المصلين الذين استثناهم من الجزوعين من المصائب والفقر المنوعين للمال والخير إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ، ثم نسق النعوت وقال في آخرها :وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ[ المعارج : 34 ] فلو لا أنها أحب الأعمال إليه ما جعلها مفتاح صفات أحبابه وختامها ، ولما وصفهم بالدوام والمحافظة عليها مدحهم بالخشوع فيها ، والخشوع هو انكسار القلب وإخباته وتواضعه وذلته ، ثم لين الجانب في كف الجوارح وحسن سمت وإقبال والمداومة والمواظبة عليها ، وسكون القلب والجوارح فيها ، والمحافظة : هو حضور القلب وإصغاؤه وصفاء الفهم وافراده في مراعاة الأوقات وإكمال طهارة الأدوات . ثم قال تعالى في عاقبة المصلين :أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ[ المؤمنون : 10 ، 11 ] فجعل أول عطائهم الفلاح وهو الظفر والبقاء وآخره الفردوس وهو خير المستقر والمأوى . ثم لما فرغ المصنف من الاستدلال بالآيات شرع في الاستدلال بالسنّة فقال : ( وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الصلاة تمسكن وتواضع » ) إلى آخر الحديث . وقد تقدم تخريجه قريبا . وهكذا أورده صاحب القوت . زاد المصنف فقال : ( حصر بالألف واللام ) أي في قوله : « إنما الصلاة » ( وكلمة « إنما » ) فيه ( للتحقيق والتوكيد ) وإفادة « إنما » الحصر قد ذكره ابن دقيق العيد وغيره . وقال : إن ابن عباس فهمه من حديث : « إنما الربا في النسيئة » ولم يعارض في فهمه الحصر ، بل عورض بحديث أبي سعيد : « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل ولا تشفوا