تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وفيه من المجاهدة ما يحصل به الإيلام كان القلب حاضرا مع أفعاله أو لم يكن ؟ أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، فأما الذكر فإنه محاورة ومناجاة مع اللّه عز وجل فإما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة أو المقصود منه الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل كما تمتحن المعدة والفرج بالإمساك في الصوم ، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج ، ويمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع المال المعشوق . ولا شك أن هذا القسم باطل فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل فليس فيه امتحان من حيث أنه عمل ، بل المقصود الحروف من حيث أنه نطق ، ولا يكون نطقا إلا إذا أعرب عما في الضمير ولا يكون معربا إلا بحضور القلب ، فأي سؤال في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] ، إذا كان القلب
شرح
المجاهدة ) والمكابدة ( ما يحصل به الإيلام ) والأتعاب للبدن ، وفي نسخة : الابتلاء بدل الإيلام ( كان القلب حاضرا مع فعله أو لم يكن ؟ أما الصلاة فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ) . وبعض ذلك يخالف العادة المألوفة ، ( فأما الذكر فإنه محاورة ) أي مراجعة ( ومناجاة ) أي مساررة ( مع اللّه عز وجل ) وهو لا يخلو ( فإما أن يكون المقصود منه كونه خطابا ومحاورة ، أو المقصود منه الحروف والأصوات امتحانا للسان بالعمل ) من غير أن يكون اللسان معبرا عما في القلب ، ( كما تمتحن المعدة ) بفتح الميم وكسر العين ، وقد تكسر الميم وهي مقر الطعام والشراب ، ( والفرج بالإمساك ) عن كل من ملذاتهما في الصوم ، ( وكما يمتحن البدن بمشاق الحج ) أي شدائده ، ( ويمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة واقتطاع المال المعشوق ) أي المحبوب إليه ، والعشق : فرط المحبة . ( ولا شك أن هذا القسم باطل فإن تحريك اللسان بالهذيان ) بالتحريك هو خلط الكلام والتكلم بما لا ينبغي ( ما أخفه على الغافل ) وما أسرعه إليه ، ( فليس فيه امتحان من حيث أنه عمل ، وليس المقصود النطق بالحروف من حيث أنه نطق لكن لكونه نطقا نافعا ) . اعلم أن أصل النطق هي الأصوات المقطعة التي يظهرها الإنسان وتعيها الآذان ، وهذه أول مراتبها . وله مرتبة ثانية وهي تمكن النفس الإنسانية من العبارة في الصور المجردة المنغرزة في علمه المنفردة في عقله المبرأة عن الأشكال المعراة عن الأجسام ، والمثال فيه تتصوّر حقائق الأشياء بأعيانها وذواتها المجردة في مرآة القلب وتقدر النفس على العبارة عنها ، ويتمكن الذهن من التفكر فيها ، ويحيط العقل بباطنها وظاهرها . وإليه أشار المصنف بقوله : ( ولا يكون نطقا نافعا إلا إذا أعرب عما في الضمير ) أي القلب ( ولا يكون معربا ) كذلك ( إلا بحضور القلب ) وفراغه من الشواغل وتمكن الذهن بأسراره وإحاطة العقل بباطنه وظاهره ، ( فأي سؤال في قوله :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَإذا كان القلب غافلا ) عن معنى الصراط