أن المصلي مناج ربه عز وجل ، كما ورد به الخبر ، والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة البتة ، وبيانه أن الزكاة إن غفل الإنسان عنها مثلا فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى الذي هو آلة للشيطان عدوّ اللّه ، فلا يبعد أن يحصل منها مقصود مع الغفلة ، وكذلك الحج أفعاله شاقة شديدة ،
شرح
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل » ) هكذا أورده صاحب القوت . وقال العراقي : لم أجده مرفوعا . وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلا : « لا يقبل اللّه من عبد عملا حتى يحضر قلبه مع بدنه » . ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي بن كعب ، ولابن المبارك في الزهد موقوفا على عمار « لا يكتب للرجل من صلاته ما سها عنه » .
قلت : ومن أدلة اشتراط الخشوع في الصلاة ما رواه الديلمي عن أبي سعيد رفعه : « لا صلاة لمن لا يخشع في صلاته » . وأخرج أيضا عن ابن مسعود رفعه : « لا صلاة لمن لا يطع الصلاة وطاعة اللّه أن تنهى عن الفحشاء والمنكر » .
( والتحقيق فيه أن المصلي مناج ربه عز وجل كما ورد به الخبر ) . قال البخاري : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن أنس قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه عز وجل فلا يتفلن عن يمينه ولكن تحت قدمه اليسرى » .
حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا يزيد بن إبراهيم ، حدثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال :
« اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب وإذا بزق فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه فإنه يناجي ربه » وأخرجه مسلم كذلك من حديث أنس .
( والكلام ) الصادر منه ( مع ) وجود ضفة ( الغفلة ) والذهول عن معرفة ذلك الكلام ( ليس بمناجاة البتة ) ، والمناجاة المخاطبة والمساررة . قال المناوي : ومناجاته لربه من جهة إتيانه بالذكر والقراءة ، ومناجاة ربه له من جهة لازم ذلك وهو إرادة الخير مجازا . وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون قلب المصلي فارغا عن غير ذكر اللّه تعالى . ( وبيانه أن الزكاة ) التي هي اخراج المال عند استكمال نصابه وحولان الحول عليه للمستحقين ( إن غفل الإنسان عنها مثلا ) أي عن إخراج ما فرض عليه ، ( فهي في نفسها مخالفة للشهوة ) وهي القوة التي بها ينزع إلى الشيء ولا يتمالك عنه ( شديدة على النفس ) لأن النفس مجبولة على جمع المال وعدم نقصانه في الظاهر . ( وكذا الصوم ) وهو الإمساك عن مشتهيات النفس ( قاهر للقوى ) النفسيّة ( كاسر لسطوة الهوى ) أي ميل النفس إلى اللذائذ ( الذي هو آلة للشيطان عدوّ اللّه ) وحبالة لصيده ، ( فلا يبعد أن يحصل منهما ) أي من الزكاة والصوم ( مقصود مع ) وجود ( الغفلة ، وكذلك الحج ) إلى بيت اللّه الحرام ( أفعاله شاقة شديدة ) من مفارقة الأهل والأوطان وبذل الأموال والتعري عن الملابس والسفر الطويل وغير ذلك ، ( وفيه من