اعلم أن أدلة ذلك كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[ طه : 14 ] وظاهر الأمر الوجوب ، والغفلة تضاد الذكر ، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيما للصلاة لذكره ؟ وقوله تعالى :
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
[ الأعراف :
205 ] نهي وظاهره التحريم . وقوله عز وجل :
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
شرح
هو الخوف الدائم في القلب ، وقال أبو البقاء : هو الذل والتضاؤل والتواضع للّه بالقلب والجوارح ، فقد اختلفت عباراتهم فيه . ومن ذلك منشأ اختلافهم هل هو من أعمال القلب أو من أعمال الجوارح ، وقد جزم غير واحد من الأئمة أنه من أعمال القلب ، ففي شرح المهذب روى البيهقي بسنده عن علي قال : الخشوع في القلب فإذا كان كذلك ، فمعنى خشوعه حضوره بخشية ، فيكون مع حضور القلب مترادفا . وقال الجلال السيوطي في الينبوع : اختلفوا في الخشوع هل هو من أعمال القلب كالخوف أو من أعمال الجوارح كالسكون أو هو عبارة عن المجموع ، وقال الرازي :
الثالث أولى اه .
( اعلم أن أدلة ذلك ) أي اشتراط الخشوع في الصلاة ( كثيرة ، فمن ذلك قوله تعالى :أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) [ طه : 14 ] بإضافة الذكر إلى ياء المتكلم وهي القراءة المشهورة أي :
لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، أو لتذكرني خاصة لا تشوبه بذكر غيري ، أو لتكون لي ذاكرا غير ناس . كذا في المدارك ، ( وظاهر الأمر ) يقتضي ( الوجوب ) أي يجب إقامة الصلاة أي إدامتها لذكر اللّه تعالى ، ثم إن الأمر في الآية لموسى عليه السلام ، فنبه نبينا صلّى اللّه عليه وسلم بتلاوة هذه الآية ان هذا شرع لنا أيضا ، ( والغفلة ) هي فقد الشعور عما حقه أن يشعر به ، أو هي الذهول عن الشيء ، أو هي سهو يعترى من قلة التحفظ والتيقظ ، أو هي متابعة النفس على ما تشتهيه وبكل معانيها ( تضاد الذكر ) سواء كان قلبيا أو لسانيا ، ( فمن غفل في جميع صلاته ) من أوّل التكبيرة إلى أن يسلم ( كيف يكون مقيما للصلاة لذكره ) عز وجل ؟ وهذا ظاهر . وقرأ ابن شهاب للذكرى وهو مصدر بمعنى التذكر ، والمعنى إذا نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها كما ورد هكذا في الخبر ، وحملوا الآية عليه . لكن لا يصلح أن يكون دليلا لما هو المصنف بصدده . وقال بعض أئمة اللغة :
الذكرى كثرة الذكر وهو أبلغ من الذكر .
( وقوله تعالى ) :وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ( وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ )[ الأعراف : 205 ] هو ( نهي ) لأن اللّه تعالى أمره بذكره مصحوبا بالتضرع والخوف والاسرار في طرفي النهار ، ثم نهاه عن الغفلة عن هذا الذكر .
( وظاهره ) يقتضي ( التحريم ) أي بأن الغفلة عن ذكر اللّه تعالى حرام ، ولذا قال ابن مسعود :
ذاكر اللّه في الغافلين كالمقاتل في الفارين ، فجعل الغافل عن ذكر اللّه مدبرا فارا . وهذه الآية نص في المراد .
( وقوله عز وجل ) :لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ( حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ )