اشتراكهما في الثواب والعقاب والاستحباب لا يرفع تفاوتهما ، ولنكشف ذلك لك بمثال :
وهو أن الإنسان لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن وأعضاء ظاهرة ، فالمعنى الباطن هو الحياة والروح ، والظاهر أجسام أعضائه . ثم بعض تلك الأعضاء ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب والكبد والدماغ ، وكل عضو تفوت الحياة بفواته ، وبعضها لا تفوت بها الحياة ولكن يفوت بها مقاصد الحياة كالعين واليد والرجل واللسان ، وبعضها لا يفوت بها الحياة ولا مقاصدها ولكن يفوت بها الحسن كالحاجبين واللحية والأهداب وحسن اللون ، وبعضها لا يفوت بها أصل الجمال ولكن كماله كاستقواس الحاجبين وسواد شعر اللحية والأهداب وتناسب خلقة الأعضاء وامتزاج
شرح
بالاتيان بها ( والعقاب ) أي عدمه ( والاستحباب ) في العمل بكل منها ( لا يرفع تفاوتها ) في نفس الأمر ، ( ولنكشف ) وفي نسخة : وينكشف ( ذلك لك بمثال ) نضربه لك : ( وهو أن الإنسان لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن ) أي خفي عن الإحساس ( وأعضاء ظاهرة ) يدركها الإنسان منه بالنظر ، ( فالمعنى الباطن ) الذي به قوامه الأصلي ( هو الحياة والروح ) ، والحياة في الأصل هي الروح وهي الموجبة لتحرك من قامت به . وقال :
بعض الحياة تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات إلى حياة ما يدب إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل في علومه وأخلاقه ، والروح الإنساني هي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الراكبة على الروح الحيواني ، ( والظاهر أجسام أعضائه ) الظاهرة جمع عضو بالضم ، ( ثم بعض تلك الأعضاء ) أشرف من بعض ، فمنها ( ما ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب والكبد والدماغ ) فإن كلّا من ذلك رئيس ولا يتم تركيب الإنسان إلّا به ، ( وكل عضو ) من ذلك ( تفوت الحياة ) التي هي المعنى الباطن ( بفواتها ) ، فالقلب عضو شريف صنوبري الشكل على جهة الشمال ، والكبد على جهة اليمين ، والدماغ الرأس وما حواه ، ( وبعضها لا تفوت بها ) أي بفواتها ( الحياة ) من أصلها ( ولكن تفوت بها مقاصد الحياة كالعين ) الباصرة ( واليد والرجل ) الباطشتين ( واللسان ) الناطق بما في الضمير ، ( وبعضها لا تفوت بها ) أي بفواتها ( الحياة ولا مقاصدها ولكن يفوت بها الحسن ) وهو الجمال الظاهر ( كالحاجبين واللحية والأهداب ) . فالحاجبان تقدم ذكرهما في كتاب أسرار الطهارة ، وكذلك اللحية والأهداب جمع هدب هو ما نبت من الشعر على أشفار العين ، ( وبعضها لا يفوت بها ) أي بفواتها ( أصل الجمال ولكن ) يفوت ( كماله ) من حيث الهيئة ( كاستقواس الحاجبين ) أي أن يكونا على هيئة القوسين ، وذلك بأن يستدق طرفاهما ويغزر أوساطهما ، ( وسواد شعر اللحية ) خلقة لا بتصنع ( وتناسب خلقة الأعضاء ) مما ذكره الحكماء أصحاب الفراسة من اعتدال القامة ، وسعة محاجر العين ، ودقة الأرنبة مع ارتفاعها ، وسعة الجبهة ، واستدارة الوجه ، وطول الرقبة ، وسعة ما بين الثديين ، وارتفاع العضدين ، ودقة الخصر ، وامتلاء الفخذين ، ومجافاة