فإن قلت : تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ تفوت الصحة بفوت الفرض دون السنّة ويتوجه العقاب به دونها ، فإما تمييز سنّة عن سنّة والكل مأمور به على سبيل الاستحباب ولا عقاب في ترك الكل والثواب موجود على الكل فما معناه ؟ فاعلم أن
شرح
تسليمه كبّر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم » هكذا لفظ البخاري ، وقد أخرجه مسلم أيضا ، وقيس على هذا الوارد ما بقي من الأبعاض وما عداها من السنن لا تجبر بالسجود لعدم وروده فيها ، ولأن سجود السهو زيادة في الصلاة ، فلا يجوز إلا بتوقيف فلو فعله لشيء من ذلك ظانا جوازه بطلت صلاته ، إلّا أن يكون قريب العهد بالإسلام أو بعيدا عن العلماء قاله البغوي في فتاويه .
وقال شارح المحرر : لو ترك سنّة من سنن الصلاة غير الأبعاض كتسبيحات الركوع والسجود وتكبيرات الانتقال والتسميع لا فرق في ذلك بين القول والفعل ، فإنه لا يجبر بالسجود حتى تكبيرات العيد وإن كان ذكرا كثيرا لأن غير الأبعاض من قبيل الهيئات كالرمل ، والاضطباع في الطواف ، وترك ذا لا يجبر بالفدية ، كذلك هذه السنن لا تجبر بالسجود . ولما روى أبو قتادة أن أنسا جهر في العصر ولم يسجد ولم ينكر عليه ، وما نقل أبو إسحاق عن الشافعي في القديم أنه يسجد لكل مسنون تركه في الصلاة ذكرا كان أو عملا ، وكذا إذا جهر فيما يسر أو أسر فيما يجهر فمرجوع عنه .
فصل ولا يلزم عندنا هذا السجود إلا لترك ما وسم بالواجب سهوا ، وإن تكرر ، وقد تقدم ذكر واجبات الصلاة آنفا لا لترك سنّة لأنه لجبر النقصان ، والصلاة لا توصف على الإطلاق بالنقصان بترك سنّة فلا يحتاج إلى الجابر ، واحتاج أصحاب الشافعي في تقسيم السنن إلى الأبعاض والهيئات لأنهم لم يفرقوا بين الفرض والواجب على أن بعض ما سموه بعضا هو مقول فيه بالواجب عندنا كالتشهد الأول ، فإنه واجب عند أبي حنيفة على الصحيح ، وجعله الشافعي سنّة فالسجود لتركه على الاتفاق سواء . قلنا : لأنه ترك الواجب أو قلنا ترك بعضا من الأبعاض واللّه أعلم .
( فإن قلت : تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ ) الفرائض تثبت بدلائل قطعية الثبوت والدلالة ، والسنن تثبت بالآحاد من الأخبار التي مفهومها ظني ، وأيضا فإنه ( تفوت الصحة بفوت الفرض ) في الصلاة ( دون السنّة ) ، فإن السنن إنما جعلت مكملات للفرائض ( ويتوجه العقاب به ) أي بالفرض أي بتركه ( دونها ) وفي بعض النسخ : ويتوجه العقاب عليه بما دونها ( فإما تمييز سنّة عن سنّة ) بعضها من بعض ( و ) الحال أن ( الكل مأمور به ) أي بعمله ( على سبيل الاستحباب ) دون الوجوب ، ( ولا عقاب في ترك الكل والثواب مرجوّ على الكل فما معناه ؟ ) .
وقد أجاب المصنف عن ذلك بقوله : ( فاعلم أن اشتراكها ) أي السنن ( في الثواب )