تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
لكن يجلس في الأخير على وركه الأيسر ، لأنه ليس مستوفزا للقيام ، بل هو مستقر
شرح
تنبيه : للمصلي أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة في صلاته وهو مذهب الشافعي ومالك ، ودليلهم ظاهر قوله صلّى اللّه عليه وسلم في حديث ابن مسعود : « ثم يتخير من الدعاء ما أعجب إليه فيدعو » . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن ، والأدعية المأثورة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس . ومن أصحاب أبي حنيفة من يقول : يجوز الدعاء بما لا يطلب إلا من اللّه تعالى ، وأما إذا دعا بما يمكن أن يطلب من الآدميين بطلت صلاته . وقال أحمد لو قال : اللهم ارزقني جارية حسناء ونحو ذلك فسدت صلاته ، ودليلنا صريح قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس » . رواه مسلم . فحصل التعارض بين الحديثين فقدمنا المانع على المبيح ، ومعنى قول أصحابنا بما يشبه ألفاظ القرآن كالذي تقدم في حديث أبي هريرة من الاستعاذة عن الأربع ، وكقوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وغير ذلك . فإن هذه الأدعية تشبه ألفاظ القرآن وليست بقرآن لأنه لم يقصد بها القراءة بل الدعاء حتى جاز الدعاء بها مع الجنابة والحيض ، ومعنى قولهم : بما يشبه كلام الناس أي بما لا يستحيل طلبه منهم نحو قوله : اللهم اكسني . اللهم زوّجني فلانة أو أعطني مالا أو متاعا وما أشبه ذلك ، حتى لو قال ذلك في وسط الصلاة قبل القعود الأخير قدر التشهد فسدت صلاته ، وأما بعد التشهد فلا . ولكن تكون ناقصة لترك السلام الذي هو واجب وخروجه منها بدونه بمنزلة ما لو تكلم أو عمل عملا آخر مناف للصلاة ، وجعل صاحب الهداية قوله : اللهم ارزقني مما يشبه كلام الناس ، وصححه في الكافي ، واعترضه الكمال بن الهمام في فتح القدير ورجح عدم الفساد وقال : لأن الرازق في الحقيقة هو اللّه تعالى . وفي الخلاصة ولو قال : ارزقني فلانة الأصح أنها تفسد ، أو ارزقني الحج الأصح أنها لا تفسد ، وفي قوله : اكسني ثوبا والعن فلانا واغفر لعمي وخالي تفسد ، وفي ارزقني رؤيتك لا تفسد هذا كله كلام ابن الهمام . على أن الرافعي قد نقل عن إمام الحرمين أنه حكى في النهاية عن شيخه أنه كان يتردد في قوله : اللهم ارزقني جارية حسناء صفتها كذا ويميل إلى المنع منه ، وأنه يبطل الصلاة . وقال ابن المنير : الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة خطر ، وذلك أنه قد يلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة فيدعو بالمحظور فيكون عاصيا متكلما في الصلاة فتبطل صلاته وهو لا يشعر . ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحق بالباطل ، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلا فدعا على الحاكم باطلا بطلت صلاته ، وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسر جدا ، فالصواب أن لا يدعو بدنياه إلا على تثبت من الجواز ، واللّه أعلم . ( وسننه كسنن التشهد الأول ) أي التشهد الأخير كالأول في الهيئة والأدب ، ولا يتعين للقعود هيئة معينة فيما يرجع إلى الاجزاء بل يجزئه القعود على أي وجه أمكن ، ( لكن ) يسن أن ( يجلس في الأخير على وركه الأيسر ) وفي القعود الذي لا يقع في آخرها الافتراش . وقال