بنشر ذلك والتدريس فيه والبحث عنه لا يدوم ولو ترك بالكلية لا ندرس وليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة ما لم يتعلم ، فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضا من فروض الكفايات بخلاف زمن الصحابة رضي اللّه عنهم ، فإن الحاجة ما كانت ماسة إليه . فاعلم أن الحق أنه لا بد في كل بلد من قائم بهذا العلم مستقل بدفع شبه المبتدعة التي ثارت في تلك البلدة ، وذلك يدوم بالتعليم ، ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم كتدريس الفقه والتفسير ، فإن هذا مثل الدواء والفقه مثل الغذاء وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع الضرر ، فالعالم به ينبغي أن يخصص بتعليم هذا العلم من فيه ثلاث خصال .
إحداها : التجرد للعلم والحرص عليه ، فإن المحترف يمنعه الشغل عن الاستتمام وإزالة الشكوك إذا عرضت .
شرح
من النهاب ( وسائر الحقوق ) كذلك ( وكالقضاء والولاية وغيرهما ) من المناصب العامة والخاصة ، ( وما لم يشتغل العلماء بنشر ذلك ) وتعليمه ( والتدريس فيه والبحث عنه ) والتحقيق فيه ( لا يدوم ولو ترك ) الاشتغال به ( لا ندرس ) بمرة وانمحى أثره ، ولقائل أن يقول : لا يحتاج إلى نشره وتعليمه بل يكتفي منه في رد شبه المبتدعة بما ركز في الجبلة والطباع ، فأجاب بقوله : ( وليس في مجرد الطباع ) ولو كانت سليمة ( كفاية ) تامة ( لحل شبه المبتدعة ما لم يتعلم ) ويدأب فيه ، لأن أكثر هذا العلم أمور دقيقة نظرية ( فينبغي أن يكون التدريس فيه والبحث عنه أيضا من فروض الكفايات ) ، وهذا ( بخلاف زمان الصحابة ) رضوان اللّه تعالى عليهم ( فإن الحاجة ما كانت ماسة إليه ) أما لعدم ظهور البدع في زمانهم ، أو لاكتفائهم بما أشرق اللّه من أنوار المشاهدة في صدورهم ، فكانت الأمور الخفية بالنسبة إلينا جلية عندهم ، ( فاعلم أن الحق ) الذي لا محيد عنه ( أنه لا بد في كل بلد ) من بلاد الإسلام ( من قائم بهذا العلم ) أي بإزائه ( مستقل بدفع شبه المبتدعة الذين ثاروا في تلك البلدة ) ونبغوا ( وذلك يدوم بالتعليم ) ويحفظ بالنشر والإفادة ، ( ولكن ليس من الصواب تدريسه على العموم ) أي على عامة الناس ( كتدريس الفقه والتفسير ) ولوازمهما ، ( فإن هذا ) أي علم الكلام ( مثل الدواء ) الذي لا يحتاج إليه في كل وقت وينتفع به آحاد الناس ويستضر به الآخرون ، ( والفقه مثل الغذاء ) للأبدان الذي لا يستغنى عنه بحال في إقامة ناموس البدن ( وضرر الغذاء لا يحذر وضرر الدواء محذور لما ذكرنا فيه من أنواع الضرر ) التي لا تحصى ، ( فالعالم به ينبغي أن يخصص بتعليم هذا العلم من ) وجدت ( فيه ثلاث خصال ) :
( إحداها التجرد للعلم ) والاستعداد لطلب المعرفة ( والحرص عليه ) بالإكباب على درسه وتعلمه ، ( فإن المحترف ) أي المشتغل بالحرفة والصناعة ( يمنعه الشغل ) الذي هو فيه ( عن الإستتمام وإزالة الشكوك إذا عرضت ) لعدم استعداده لذلك .