تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
الشافعي وكافة السلف إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبهنا
شرح
وربما يتفق في كل عصر واحد واثنان ممن ينتهي إلى تلك الدرجة ، وقد يخلو العصر عنه ، ولو كانت النجاة مقصورة على مثل تلك المعارف لقلت النجاة وقل الناجون . الثانية : أن يحصل بالأدلة الرسمية الكلامية المبينة على أمور مسلمة مصدق بها لاشتهارها بين أكابر العلماء وشناعة إنكارها ونفرة النفوس عن إبداء المزيد فيها ، وهذا الجنس أيضا يفيد في بعض الأمور وفي حق الناس تصديقا جازما بحيث لا يتغير صاحبه بإمكان خلافه أصلا . الثالثة : أن يحصل التصديق بالأدلة الخطابية التي جرت العادة باستعمالها في المحاورة والمخاطبات الجارية في العادات ، وذلك يفيد في حق الأكثرين تصديقا ببادىء الرأي وسابق الفهم إذا لم يكن الباطن مشحونا بالتعصب ، وبرسوخ اعتقاد على خلاف مقتضى الدليل ، ولم يكن المستمع مشغوفا بتكلف المماراة والتشكيك ومنهاجه بتحذلق المجادلين في العقائد ، وأكثر أدلة القرآن من هذا الجنس من الدليل الظاهر المفيد للتصديق ، والدليل المستوفى هو الذي يفيد التصديق بعد تمام الأسئلة وجوابها بحيث لا يبقى للسؤال مجال والتصديق يحصل قبل ذلك . الرابعة : التصديق بوجود السماع ممن حسن فيه الإعتقاد بسبب كثرة ثناء الخلق ، فإن من حسن اعتقاده في أبيه وأستاذه أو رجل من الأفاضل المشهورين قد يخبر عن شيء فيسبق إليه اعتقاد جازم وتصديق بما أخبر عنه بحيث لا يبقى مجال لغيره في قلبه ومستنده حسن اعتقاده فيه وكذلك اعتقاد الصبيان في آبائهم ومعلمهم فلا جرم يسمعون الإعتقادات ويصدقونه ويستمرون عليه من غير حاجة إلى دليل ومحاجة . الخامسة : التصديق الذي يسبق إليه عند سماع الشيء مع قرائن الأحوال لا يفيد القطع عند المحقق ، ولكن يلقى في حق العوام اعتقادا جازما . السادسة : أن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه فيبادر إلى التصديق بمجرد موافقته لطبعه لا من حسن اعتقاد في قائله ولا من قرينة تشهد له ، لكن لمناسبة ما في طبعه ، وهذه أضعف التصديقات وأدنى الدرجات لأن ما قبله استند إلى دليل ما ، وإن كان ضعيفا من قرينة أو حسن اعتقاد في المخبر أي نوع من ذلك فهي أمارات يظنها العامي أدلة ، وإذا علم مراتب التصديق وعلم أن مستند إيمان العوام هذه الأسباب ، فأعلى الدرجات في حقه أدلة القرآن وما يجري مجراه مما يحول القلب إلى التصديق فلا ينبغي أن يجاوز بالعامي إلى ما وراء أدلة القرآن وما في معناه من الجليات المقنعة المسكنة للقلوب المستجرة لها إلى الطمأنينة والتصديق فما وراء ذلك ليس على قدر طاقته اه باختصار . ( وعرفت أن ) الإمام ( الشافعي وكافة السلف ) رحمهم اللّه ممن تقدم ذكرهم ( إنما منعوا عن الخوض فيه والتجرد له لما فيه من الضرر الذي نبهنا عليه ) أي : فإن أقوالهم محمولة على نهي المتعصب في الدين ، أو القاصر عن تحصيل اليقين ، أو القاصد إفساد عقائد المسلمين ، أو