تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
والثانية : الذكاء والفطنة والفصاحة ، فإن البليد لا ينتفع بفهمه والفدم لا ينتفع بحجاجه فيخاف عليه من ضرر الكلام ولا يرجى فيه نفعه . والثالثة : أن يكون في طبعه الصلاح والديانة والتقوى ولا تكون الشهوات غالبة عليه ، فإن الفاسق بأدنى شبهة ينخلع عن الدين فإن ذلك يحل عنه الحجر ويرفع السد الذي بينه وبين الملاذ فلا يحرص على إزالة الشبهة ، بل يغتنمها ليتخلص من أعباء التكليف ، فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلم أكثر مما يصلحه .
شرح
( الثانية : الذكاء ) وهو سرعة الإدراك وحدة الفهم ، وقيل : هو سرعة اقتراح النتائج ، ( والفطنة ) وهي سرعة هجوم على حقائق معان مما تورده الحواس عليها ، ( والفصاحة ) وهي ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود ، ( فإن البليد ) المتحير في أمره الذي لا يوصف بذكاء ولا فطنة ( لا ينتفع بفهمه ) بل هو دائما حيران في أمره ، ( والفدم ) وهو البطيء الفهم ( لا ينتفع بحجاجه ) أي بمحاجته ( فيخاف عليه من ضرر الكلام ولا يرجى فيه نفعه . الثالثة : أن يكون في طبعه الصلاح ) وهو ضد الفساد ويختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال وقوبل في القرآن تارة بالفساد وأخرى بالسيئة ، ( والديانة ) وهي التمسك بأمور الدين ، ( والتقوى ) وهي تجنب القبيح خوفا من اللّه تعالى ( ولا تكون الشهوات ) النفسية ( غالبة عليه ) وفي معنى الشهوات التعصبات للمذاهب والمباهاة بالمعارف ، ( فإن الفاسق بأدنى شبهة ) إذا عرضت ( ينخلع عن ) ربقة ( الدين فإن ذلك يحل عنه الحجز ) أي الستر الحاجز ( ويرفع الستر بينه وبين الملاذ ) الشهوانية ( فلا يحرص على إزالة الشبهة ) ودفعها ، ( بل يغتنمها ليتخلص من أعباء التكليف ) ومشقاته ( فيكون ما يفسده مثل هذا المتعلم أكثر مما يصلحه ) . وقال المصنف في الجام العوام : التحدث في هذا العلم للعالم إنما يكون على أربعة أوجه : إما أن يكون مع نفسه ، أو مع من هو مثله في الإستبصار ، أو مع من هو مستعد للاستبصار بذكائه وفطنته وتجرده لطلب معرفة اللّه ، أو مع العامي فإن كان قاطعا أي لا ظانا أي غير حاكم مع نفسه بموجب ظنه حكما جازما فله أن يحدث نفسه به ويحدث من هو مثله في الإستبصار وهو متجرد لطلب المعرفة مستعد لها خال عن الميل إلى الدنيا والشهوات والتعصبات للمذاهب وطلب المباهاة بالمعارف والتظاهر بذكرها مع العوام ، فمن اتصف بهذه الصفات فلا بأس بالتحدث معه لأن الفطن المتعطش إلى المعرفة للمعرفة لا لغرض يحيك في صدره إشكال الظواهر ، وربما يلقيه في التأويلات الفاسدة لشدة شرهه عن الفرار عن الظواهر ومقتضاها ومنع العلم أهله ظلم كبثه إلى غير أهله ، وأما العامي فلا يحدث به وفي معنى العامي كل من لا يوصف بالصفات المذكورة ، وأما المظنون فيحدث به مع نفسه اضطرارا فإن ما ينطوي عليه الذهن من ظن وشك وقطع لا تزال النفس تحدث به ولا قدرة على الخلاص منه ولا منع منه ولا شك في منع التحدث به مع العوام .