وإذا عرفت هذه الانقسامات اتضح لك أن هذه الحجة المحمودة في الكلام ، إنما هي من جنس حجج القرآن من الكلمات اللطيفة المؤثرة في القلوب المقنعة للنفوس دون التغلغل في التقسيمات والتدقيقات التي لا يفهمها أكثر الناس ، وإذا فهموها اعتقدوا أنها شعوذة وصناعة تعلمها صاحبها للتلبيس ، فإذا قابله مثله في الصنعة قاومه . وعرفت أن
شرح
بل هو أولى بالمنع من المقطوع إما تحدثه به مع من هو في مثل درجته في المعرفة أو مع المستعد له فيه نظر ، فيحتمل أن يقال هو جائز إذ لا يزيد على أن يقول : أظن كذا وهو صادق ويحتمل المنع لأنه قادر على تركه وهو بذكره متصرف بالظن في صفة اللّه تعالى أو في مراده من كلامه وفيه خطر ، وإباحته إنما تعرف بنص أو إجماع أو قياس على منصوص ولم يرد شيء من ذلك بل ورد قوله تعالى :لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[ الإسراء : 36 ] اه .
( وإذا عرفت هذه الإنقسامات اتضح لك أن هذه الحجة المحمودة في الكلام إنما هو من جنس حجج القرآن ) والأخبار الصحيحة ( من الكلمات اللطيفة ) المختصرة ( المؤثرة في القلوب ) بوقعها ( المقنعة للنفوس ) الكافية لها ( من دون التغلغل ) والخوض ( في التقسيمات ) الغريبة ( والتدقيقات ) العجيبة ( التي لا يفهمها أكثر الناس ) ولا يحوم فكرهم حولها ، ( وإذا فهموها ) بعد جهد ( اعتقدوا أنها شعوذة ) لا حقيقة لها ( وصناعة تعلمها صاحبها للتلبيس ) والتخليط ، ( فإذا قابله مثله في الصنعة قاومه ) .
قال المصنف في الجام العوام : العامي إذا منع من البحث والنظر ولم يعرف الدليل كان جاهلا بالمدلول ، وقد أمر اللّه كافة عبادة بمعرفته بالإيمان والتصديق بوجوده أولا ، بتقديسه عن سمات الحوادث ومشابهة غيره ثانيا ، وبوحدانيته ثالثا ، وبصفاته من العلم والقدرة ونفوذ المشيئة وغيرها رابعا ، وهذه الأمور ليست ضرورية فهي إذا مطلوبة ، وكل علم مطلوب ولا سبيل إلى اقتناصه وتحصيله إلا بالأدلة فلا بد من النظر في الأدلة والتفطن لوجه دلالتها على المطلوب وكيفية انتهاجها له ، وذلك لا يتم إلا بمعرفة شروط البراهين وكيفية ترتيب المقدمات واستنتاج النتائج ويستجر ذلك بالضرورة شيئا فشيئا إلى تمام البحث واستيفاء علم الكلام إلى آخر النظر في علم المعقولات ، وكذلك يجب على العامي أن يصدق الرسول في كل ما جاء به وصدقه ليس بضروري بل هو بشر كسائر الخلق ، فلا بد من دليل يميزه عن غيره ممن تحدى بالنبوة كاذبا ولا يمكن ذلك إلا بالنظر في معجزاته ومعرفة حقيقة المعجزة وشروطها إلى آخر النظر في النبوات وهو ثلث علم الكلام . قلنا : الواجب على الخلق الإيمان بهذه الأمور ، والإيمان عبارة عن تصديق جازم لا تردد فيه ولا يشعر صاحبه بجواز وقوع الخطأ فيه ، وهذا التصديق يحصل على ست مراتب .
الأولى : وهو أقصاها ما يحصل بالبرهان المستقصى المستوفى بشروطه المحرر بأصوله ومقدماته درجة درجة كلمة كلمة ، حتى لا يبقى مجال احتمال وممكن التباس ، وذلك هو الغاية القصوى ،