والأدلة ، ولم تزل الرسل صلوات اللّه عليهم يحاجون المنكرين ويجادلونهم . قال تعالى :
شرح
وقد تقدم للمصنف في كتاب العلم ما حاصله : أن حاصل ما يشتمل عليه الكلام من الأدلة فالقرآن والاخبار مشتملة عليه ، وما خرج عنها فهو إما مجادلة مذمومة وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها توهمات إلى آخر ما قال ومر الكلام هناك .
وذكرنا هناك أيضا كلام الفخر الرازي في كتابه أقسام اللذات : لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلا ، ورأيت أقرب الطريق طريق القرآن اقرأ في الإثبات :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[ فاطر : 10 ]الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى[ طه : 5 ] واقرأ في النفيلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي اه .
قال ابن القيم : وهذا الذي أشار إليه بحسب ما فتح له من دلالة القرآن بطريق الخبر ، وإلا فدلالته البرهانية العقلية التي يشير إليها ويرشد إليها ، فتكون دليلا سمعيا عقليا أمر تميز به القرآن ، وصار العالم به من الراسخين في العلم ، وهو العلم الذي يطمئن إليه القلب ، وتسكن عنده النفس ، ويزكو به العقل ، وتستنير به البصيرة ، وتقوى به الحجة ، ولا سبيل لأحد من العالمين إلى قطع من حاجّ به بل من خاصم به فلحت حجته وكسر شبهة خصمه ، وبه فتحت القلوب واستجابت للّه ولرسوله ، ولكن أهل هذا العلم لا تكاد الأعصار تسمح منهم إلا بالواحد بعد الواحد ، فدلالة القرآن سمعية عقلية قطعية يقينية لا تعترضها الشبهات ، ولا تتداولها الاحتمالات ، ولا ينصرف القلب عنها بعد فهمها أبدا . وقال بعض المتكلمين : أفنيت عمري في الكلام أطلب الدليل وإذا أنا لا أزداد إلا بعدا منه ، فرجعت إلى القرآن أتدبره وأتفكر فيه ، وإذا أنا بالدليل حقا معي وأنا لا أشعر به . وقد أشرنا إلى بقية هذا الكلام في كتاب العلم . ( ولم تزل الرسل ) عليهم الصلاة والسّلام ( يحاجّون المنكرين ويجادلونهم ) أوّلهم آدم عليه السّلام وقد أظهر اللّه الحجة على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال ، وتقدم محاجة نوح وإبراهيم وموسى عليهم السّلام ، ولسيدنا سليمان عليه السّلام مقامان . أحدهما : في اثبات التوحيد ، والآخر في إثبات النبوّة . وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك . وعيسى عليه السّلام فإنه أوّل ما تكلم شرح أمر التوحيد فقال : إني عبد اللّه ، وشهادة حاله كانت دالة على صدق مقالته ، وقد دلت على التوحيد والنبوّة وبراءة أمه رادا بذلك على اليهود الطاعنين فيها ، وأما نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فمحاجته مع الكفار أظهر من أن يحتاج فيه إلى مزيد تقرير كالدهرية ، ومثبتي الشريك على اختلاف الأنواع ، ونافي القدرة والطاعنين في أصل النبوّة وخاصته في نبوّته صلّى اللّه عليه وسلّم بجميع أنواعه ، ومنكري الحشر .
( قال تعالى )ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [ النحل : 125 ] ، وليس المراد منه المجادلة في فروع الشرائع لأن من أنكر نبوّته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الأحكام ، ومن أثبت نبوّته فلا يخالفه ولا يحتاج إلى الجدال ، فعلمنا أن هذا الجدال المأمور كان في تقرير مسائل الأصول ، وإذا ثبت هذا في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ثبت في حق أمته ، وإليه أشار بقوله : ( والصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( أيضا كانوا يجادلون عند الحاجة )