32 ] . وقال تعالى في قصة فرعون :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
إلى قوله :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
[ الشعراء : 23 - 30 ] .
شرح
فأكثرت جدالنا ) [ هود : 32 ] ومعلوم أن مجادلة الرسول مع الكفار لا تكون في تفاصيل الأحكام الشرعية فلم يبق إلا أنها كانت في التوحيد والنبوّة ( وقال تعالى في قصة ) موسى عليه السّلام ومباحثته مع ( فرعون ) قال : ( وما رب العالمين إلى قوله :أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ[ الشعراء : 23 - 30 ] . واعلم أن موسى عليه السّلام ما كان يقول في الاستدلال زيادة على دلائل إبراهيم عليه السّلام ، وذلك لأنه حكى اللّه تعالى عنه في سورة طه أن فرعون قال له ولهارون :فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى * قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ طه : 49 ؛ 50 ] ، وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السّلام حيث قال :الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ[ الشعراء : 78 ] ، ثم حكى اللّه تعالى عن موسى في الشعراء أنه قال لفرعون :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ[ الشعراء : 26 ] . وهذا هو الذي عول عليه إبراهيم عليه السّلام في قوله :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ[ البقرة : 258 ] فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بدليل آخر ، قال موسى :رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ[ الشعراء : 28 ] ، وهذا هو الذي عوّل عليه إبراهيم عليه السّلام في قوله :فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ[ البقرة : 258 ] ثم أن موسى عليه السّلام لما فرغ من تقرير دلائل التوحيد ذكر بعده دلائل النبوة فقال :أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ[ الشعراء : 30 ] ، وهذا يدل على أنه عليه السّلام فرع بيان النبوة على بيان التوحيد والمعرفة .
فإن قيل : إبراهيم وموسى عليهما السّلام قدّما دلائل النفس على دلائل الأفلاك ، فإن إبراهيم عليه السّلام قال أوّلا :رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ،ثم قال :فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِوموسى عليه السّلام قال أولا :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ،ثم قال :رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِفلم عكس سيدنا سليمان عليه السّلام هذه الترتيب ، فقدم دلائل السماوات على دلائل النفس فقال :الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ النمل : 25 ] .
قلنا : إبراهيم وموسى عليهما السّلام كانت مناظرتهما مع من ادعى إلهية البشر ، فإن نمروذ وفرعون كل واحد منهما كان يدعي الإلهية فلا جرم أنهما عليهما السّلام ابتدآ بابطال إلهية البشر ، ثم انتقلا إلى ابطال إلهية الأفلاك والكواكب ، وأما سليمان عليه السّلام فإنه كان مناظرته مع من يدعي إلهية الشمس ، فإن الهدهد قال :وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ[ النمل : 24 ] فلا جرم ابتدأ بذكر السماوات ، ثم بذكر الأرضيات ، ثم لما تمم دلائل التوحيد قال بعده :لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[ النمل : 26 ] ثم إن المصنف ذكر البرهان والبينة والحجة ، وفي معناها السلطان ، وقد سمى اللّه الحجة العلمية سلطانا . قال ابن عباس : كل سلطان في القرآن فهو حجة كقوله تعالى :إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا[ يونس : 68 ] أي ما عندكم من حجة بما قلتم . وقوله تعالى :ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ[ النجم : 23 ] أي حجة ولا