تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
وعلى الجملة ؛ فالقرآن من أوّله إلى آخره محاجة مع الكفار ، فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، وفي النبوّة :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] وفي البعث :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] إلى غير ذلك من الآيات
شرح
برهانا ، بل من تلقاء أنفسكم . وقوله تعالى :أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ[ الصافات : 156 ] يعني حجة واضحة ، وإنما سمى علم الحجة سلطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين ، بل سلطان العلم أعظم من سلطان الجهل ، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد ، فإن الحجة تنقاد لها القلوب ، ومن لم يكن له اقتدار في علمه فهو إما لضعف حجته وسلطانه وإما لقهر سلطان اليد والسيف له ، وإلا فالحجة ناصرة نفسها ظاهرة على الباطل قاهرة له ، والفرق بين الحجة والبينة هو أن الحجج هي الأدلة العلمية التي يعقلها القلب وتسمع بالآذان ، والحجة هي اسم لما يحتج به من حق وباطل ، وإذا أضيفت إلى اللّه فلا تكون إلا حجة حق وقد تكون بمعنى المخاصمة كقوله تعالى :لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ[ الشورى : 15 ] أي قد ظهر الحق واستبان فلا خصومة بيننا بعد ظهوره ولا مجادلة ، فإن الجدال شريعة موضوعة للتعاون على إظهار الحق ، فإذا ظهر الحق ولم يبق به خفاء فلا فائدة في الخصومة . والبينة اسم لكل ما يبين الحق من علامة منصوبة أو أمارة أو دليل علمي ، فالبينات هي الآيات التي أقامها اللّه دلالة على صدقهم من المعجزات ، وكان إلقاء العصا وانقلابها حية هو البينة ، وجرت سنّة اللّه في خلقه أن الكفار إذا طلبوا آية واقترحوها وأجيبوا ولم يؤمنوا عوجلوا بعذاب الاستئصال . وإليه يشير قوله تعالى :وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ[ الاسراء : 59 ] بخلاف الحجج ، فإنها لم تزل متتابعة يتلو بعضها بعضا وهي كل يوم في مزيد . وقد أشرنا إلى ذلك في كتاب العلم . ( وعلى الجملة ؛ فالقرآن من أوّله إلى آخره ) توحيد صرف وأحكام وقصص وأمثال و ( محاجة الكفار ) مملوء من الحجج والأدلة والبراهين في مسائل التوحيد واثبات الصانع والمعاد وإرسال الرسل وحدوث العالم ، فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك إلا وهو في القرآن بأفصح عبارة وأوضح بيان وأتم معنى وأبعده عن الايراد والأسئلة . وقد اعترف بهذا حذاق المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين ، ( فعمدة أدلة المتكلمين في التوحيد ) أي في اثبات وحدانية اللّه تعالى ( قوله تعالى :لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا[ الأنبياء : 22 ] وسيأتي الكلام على هذه الآية في شرح الرسالة القدسية . ( وفي النبوة :وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ[ البقرة : 23 ] . ( وفي البعث ) والحشر ( قوله ) تعالى :قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ[ يس : 79 ] ، وسيأتي الكلام عليها أيضا ( إلى غير ذلك من الأدلة ) بجميع أنواعها والأقيسة الصحيحة .