والتفسير والفقه وهو محرم يجب الاحتراز عنه ، ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه إليه وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة بها والبحث عنها محظورا وقد قال اللّه تعالى :
قُلْ
شرح
منه ) والاجتناب عنه ، ( كما أن الكبر والرياء وطلب الرئاسة ) والتكالب عليها ( أيضا مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه وهو محرم أيضا يجب الاحتراز منه ، ولكن لا يمنع عن العلم ) والاشتغال به والسعي في تحصيله ( لأجل إدائه إليه ) وكونه مفضيا إليه ، وقد ألم بهذا البحث أبو الوفاء اليوسي في شرحه على الكبرى تحقيقا لمطلوبه الذي هو أن العلوم كلها وسائل إلى المقصود لا يقال فيها مذموم ولا محرم ، ومن حرم بعضها فليحرم جميعها وإلّا فمن أين التخصيص ، ومن أنكر أن يكون بعض ذلك وسيلة فالعيان يكذبه ، فقال : ولما تكاثرت الأهواء والبدع وافترقت الأمة على فرق وعظمت على الحق شبه المبطلين انتهض علماء الأمة إلى مناضلتهم باللسان كمناضلة السلف بالسنان ، فاحتاجوا إلى مقدمات كلية وقواعد عقلية واصطلاحات وأوضاع يجعلونها على النزاع ويتفقهون بها مقاصد القوم عند الدفاع ، فدوّنوا ذلك وسموه علم الكلام وأصول الدين ليكون بإزاء أصول الفقه .
ثم قال فإن قيل : إن الكلام والمنطق مبتدعان وكل بدعة يجب اجتنابها . قلنا : لا نسلم أن كل بدعة تجتنب إذ منها ما يستحسن ولو سلمناها فغيرهما من العلوم كالحساب والطب والتنجيم وصناعتي الأصول والحديث والأدب ونحوها كذلك فإن قال السلف : كانوا يحسبون ويعالجون ويجتهدون ويحدثون ، وإنما أحدث في هذه الصناعة الألقاب . قلنا : وكذلك كانوا يفسرون ويستدلون ويعللون ولا معنى للمنطق إلا هذا كيف وهو الذي في الطباع مركوز ولا ينفك عنه عاقل ، فمن حرمه إما أن يحرمه لكونه حراما بوجه آخر ، فإن أراد الأوّل قلنا : لا نسلم أن مركوزيته توجب حصوله وعدم الفائدة في تعلمه . إذ النفس غافلة حتى تنتبه ، والمركوز إنما هو العقل الفطري والوجدان حاكم بأن النفس خالية عن العلوم ، بل وعن الاستعداد حتى تشحذ بالقوانين . نعم لا ننكر أن يكون ذو فطرة سليمة لا يحتاج إلى تعلمه كالعربي المستغني عن تعلم العربية ، فإن زعم هذا المنكر أن فطرته هكذا لا يحصل له أن يقيس سائر العقول بعقله ولا أن يسد الباب على غيره ، إذ وجدانه لا ينهض دليلا على ما أراد ، وإن أراد الثاني قلنا : ما وجه حرمته ؟ فإن قال : لكونه بدعة . قلنا : تقدم جوابه ، وإن كان لشيء آخر فعليه بيانه اه . كلام اليوسي .
أما ادعاؤه أن العلوم كلها نافعة ووسائل إلى المقصود ، فهو على الاطلاق غير متجه كما سيأتي بيانه في سياق المصنف ، فإن فيه مقنعا . وأما غلوه في الثناء على المنطق وكونه مركوزا في الطباع السليمة فعجيب ، وتقدم ما يتعلق به في شرح كتاب العلم عند ذكر العلوم المحمودة والمذمومة ما يغني عن إعادته هنا ، وإنما أوردنا كلامه هنا لمناسبته مع كلام الفرقة الثانية بأن علم الكلام غاية ما فيه ذكر الحجة والمطالبة بالدليل والنقض والمنع . ( وكيف يكون ذكر الحجة