تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق ، وعقيدة المتكلم الحارس واعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد ، فتلقفه تقليدا كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا إذ لا فرق في التقليد بين تعلم الدليل أو تعلم المدلول ، فتلقين الدليل شيء والاستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه ، ثم الصبي إذا وقع نشوءه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق ، إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق
شرح
إنسان ، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس ويستضر به الأكثرون ، بل أدلة القرآن كالماء ينتفع به الصبي والرجل القوي ، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة ويمرضون بها أخرى ولا ينتفع بها الصبيان أصلا ، ولهذا قلنا أن أدلة القرآن أيضا ينبغي أن يصغي إليها إصغاءه إلى كلام جلي ، ولا يماري فيه إلا مراء ظاهرا ، ولا يكلف نفسه تدقيق الفكر وتحقيق النظر ، وما أحدثه المتكلمون من تفسير وسؤال وتوجيه إشكال ثم اشتغاله بحله فهو بدعة وضرره في حق عموم الخلق ظاهر ، فهذا الذي ينبغي أن يتوقى ، والدليل على تضرر الخلق به المشاهدة والتجربة ، وما ثار من الفتن بين الخلق منذ نبغ المتكلمون وفشا صناعة الكلام مع سلامة العصر الأول عن مثل ذلك ودليله أنهم ما خاضوا في ذلك ولا سلكوا مسلك المتكلمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم لا لعجز منهم عن ذلك ، ولو علموا أن ذلك نافع لأطنبوا فيه وخاضوا في تحرير الأدلة خوضا يزيد على خوضهم في مسائل الفرائض . ( فقس عقيدة أهل الصلاح ) والرشد ( والتقى من عوام الناس ) وطائعها ( بعقيدة المتكلمين والمجادلين ) أي علماء الكلام والجدل ، ( فترى اعتقاد العامي ) منهم ( في الثبات ) والرسوخ ( كالطود الشامخ ) أي الجبل العالي الذي ( لا تحركه الدواهي ) أي الشدائد ( والصواعق ) جمع صاعقة ، ( و ) ترى ( عقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل ) وأنواعه بالأدلة العقلية الجدلية ( كخيط مرسل في الهواء تفيئه ) أي تحركه ( الريح ) وفي نسخة : الرياح ( مرة هكذا ومرة هكذا ) ، فأمره إلى غاية الضعف ( إلا من سمع منهم دليل الإعتقاد فتلقفه ) أي تلقاه وتلقنه ( تقليدا كما تلقف نفس الإعتقاد ) كذلك ( تقليدا ، ولا فرق في التقليد بين تعلم الدليل أو تعلم ) نفس ( المدلول ) الذي أقيم عليه ذلك الدليل ، ( فتلقين الدليل شيء والاستقلال بالنظر ) والبحث فيه ( شيء آخر بعيد عنه ) وهذا ظاهر ، ( ثم الصبير إذا وقع نشؤه ) أي مبدأ حاله ( على هذه العقيدة ) وتمكنت من قلبه ( إن اشتغل بكسب الدنيا ) كالتجارة والفلاحة وغيرهما من الصنائع والحرف ( لم ينفتح له غيرها ) لعدم انتقاله منها إلى حالة أخرى منها ، ( ولكنه سلم في الآخرة ) عن المؤاخذة والمعاتبة ( باعتقاد الحق ) المطابق للواقع . أشار لذلك غير واحد من الأئمة ( إذ لم يكلف