تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
يفسده أكثر مما يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها ، وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب . والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا فناهيك بالعيان برهانا . فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من
شرح
والمناقضات ( غاية الحراسة ) على قدر الإمكان ، ( فإن ما يشوشه الجدل ) والكلام ( أكثر مما يمهده ) ويوطئه ( وما يفسده أكثر مما يصلحه ) نظرا إلى ما يودع في قلبه شبها للخصوم ، فربما أنها لا تزول وتبقى آثارها فيتعلق قلبه بها ، فهذا أول إفساده له ، وأما ما يترتب عليه بعد ذلك فأكثر من أن يذكر ، ( بل تقويته بالجدل يضاهي ) أي يشابه ( ضرب الشجرة بالمدقة ) بكسر الميم ( من الحديد ) ، أو بإيداع المسامير فيها ( رجاء تقويتها فإن تكسير أجزائها ) بآلات الحديد ( ربما تفتتها وتكسرها ) وفي نسخة : ويفسدها أي يكون سببا لتكسير كلها وإعدامها بالمرة ( وهو الأغلب ) في الأحوال ، ( والمشاهدة تكفيك في هذا بيانا ) واضحا . ( وناهيك بالعيان ) أي المعاينة ( برهانا ) جليا لا يحتاج إلى تقريره ببرهان آخر . قال المصنف في الجام العوام : فإن قلت : إن لم ينصرف قلب العامي عن التفكر لتشوفه إلى البحث فما طريقه ؟ فأقول : طريقه أن يشغل نفسه بالعبادة وقراءة القرآن والذكر ، وإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس من لغة أو نحو أو حساب أو طب أو فقه ، فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو الحراثة أو الحياكة ، فإن لم يقدر فبلعب أو لهو ، فإن لم يقدر فيحدث نفسه هول القيامة والحشر والنشر والحساب ، وكل ذلك خير له من الغوص في هذا البحر البعيد عمقه العظيم خطره وضرره ، بل لو اشتغل العامي باللهو لا بالعبادات البدنية ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة اللّه تعالى ، فإن ذلك عاقبته الفسق وهذا عاقبته الشركإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ] . فإن قلت : العامي إذا لم تستكن نفسه إلى الإعتقادات الدينية إلا بدليل ، فهل يجوز أن يذكر له الدليل ، فإن جوزت ذلك فقد رخصت له في التفكر والنظر وأي فرق بين هذا النظر وغيره ، وإن منعت منه فكيف تمنعه ولا يتم إيمانه إلا به ؟ فالجواب : إني أجوز له أن يسمع الدليل على معرفة الخالق ووحدانيته وعلى صدق الرسول وعلى اليوم الآخر وأن لا يماري فيه إلا مراء ظاهرا ولا يتفكر فيه إلا تفكرا سهلا جليا ، ولا يمعن في التفكر ولا يوغل فيه غاية الايغال في البحث ، وأدلة هذه الأمور الأربعة مذكورة في القرآن وهي قريبة من خمسمائة جمعناها في جواهر القرآن ، فلا ينبغي أن يزاد عليه . فإن قيل : هذه هي الأدلة ولا يمنعون عنها وكل ذلك يدرك بنظر العقل وتأويله ، فإن فتح للعامي في باب النظر فليفتح مطلقا أو يسد مطلقا بطريق النظر ، وليكلف ليقلد من غير نظر ؟ فالجواب : أن الأدلة تنقسم إلى ما يحتاج فيه إلى تفكر وتدقيق خارج عن تدقيق العامي وقدرته ، وإلى ما هو جلي سابق إلى الإفهام ببادىء الرأي وأقل النظر ، بل يشترك كافة الناس بسهولة لا خطر فيه ، وما يفتقر إلى التدقيق فليس على قدم وسعة ، فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل