أصلا ، وإن أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وساعده التوفيق حتى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت له أبواب من الهداية تكشف عن حقائق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده عز وجل . إذ قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[ العنكبوت : 69 ] ، وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين والمقربين ، وإليه الإشارة بالسر الذي وقر في صدر أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه حيث فضل به الخلق ، وانكشاف ذلك السر بل تلك الأسرار له درجات بحسب
شرح
( وإن أراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة ) وقطع عنه شواغل الدنيا ( وساعده ) مع ذلك ( التوفيق ) الإلهي ( حتى اشتغل بالعمل ) بما علمه ( ولازم التقوى ) والخشية ( ونهي النفس ) الأمارة ( عن الهوى ) عن كل ما تستلذه وتميل إليه ( واشتغل بالرياضة ) الشرعية ( والمجاهدة ) المعنوية ( انفتحت له أبواب ) وطرق ( من الهداية ) ما ( تكشف عن حقائق ) هذه ( العقيدة ) وتفصح عن رموزها وأسرارها ( بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب ) تلك ( المجاهدة تحقيقا لوعده تعالى ) السابق ( إذ قال ) في كتابه العزيز : ( والذين جاهدوا فينا ) أي أعداءهم لأجلنا ( لنهدينهم سبلنا ) أي الطرق الموصلة إلينا( وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )[ العنكبوت : 69 ] بالنصر والإعانة والتوفيق . وقد تقدم أقسام الجهاد وما يتعلق بهذه الآية في كتاب العلم ، ( وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية إيمان الصديقين والمقربين ) . أما المقربون ، فهم أرباب المقام الثالث في التوحيد وهؤلاء رأوا علامة الحدوث في المخلوقات لائحة ، وعاينوا حالات الافتقار إلى اللّه عز وجل واضحة ، وسمعوا جميعها تدل على التوحيد راشدة ناصحة ، ثم رأوا اللّه عز وجل بإيمان قلوبهم وشاهدوه بغيب أرواحهم ولاحظوا جلاله وجماله بخفي أسرارهم ، وهم مع ذلك في درجات القرب على قدر حظ كل واحد منهم في اليقين وصفاء القلب . وأما الصديقون ؛ فهم أهل المرتبة الرابعة في التوحيد ، وهؤلاء رأوا اللّه عز وجل ثم رأوا الأشياء بعد ذلك ، فلم يروا في الدارين غيره ولا اطلعوا في الوجود على سواه ، والمريدون في الغالب لا بد لهم أن يحلوا في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين ومنها ينتقلون وعليها يعبرون إلى المرتبة الرابعة . وأما المرادون ؛ فهم في الغالب مبتدؤن بمقامهم الأخير وهي المرتبة الرابعة ومتمكنون فيها ، ومن أهل هذا المقام يكون القطب والأوتاد والبدلاء ، ومن أهل المرتبة الثالثة يكون النقباء والنجباء والشهداء والصالحون ( وإليه الإشارة بالسر الذي وقر في قلب أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه حيث فضل به الخلق ) لما تقدم في كتاب العلم : « ما سبقكم أبو بكر بكثرة صيام ولكن بسر وقر في صدره » . ( وانكشاف ذلك السر ) الذي سبق حضرة الصديق في سيرة الناس هو رؤية اللّه وحده وعدم رؤية الأشياء قبله ، ( بل تلك الأسرار ) التي تنشأ لأرباب المقام الثالث ( له درجات ) متنوعة لأهله في القرب والبعد ( بحسب درجات