تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
ويشتغل بوظائف العبادات ، فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها ، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيئاتهم في الخضوع للّه عز وجل والخوف منه والاستكانة له ، فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر ، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة ، فإن ما يشوّشه الجدل أكثر مما يمهده وما
شرح
بقراءة القرآن ) . وفي نسخة : بتلاوة القرآن وهي والقراءة مترادفان ، ومنهم من فرق بينهما كما تقدم آنفا . وهذا الاشتغال أعم من أن يكون حفظا في الصدر أو التكرار فيه ( و ) معرفة ( تفسيره ) أي : الكشف عن معاني ظواهر ألفاظه على قدر ما يصل إليه فهمه ( و ) أن يشتغل في ( قراءة الحديث ) المجموع في كتب معلومة موثوق بها ويمضي فيها بتلقي ذلك عن الشيوخ المعروفين بحملها ( و ) معرفة ( معانيه ) الظاهرة للأفهام ، ( و ) أن ( يشتغل ) مع ذلك ( بوظائف العبادات ) وأجلها المحافظة على الفرائض بواجباتها وأركانها وسننها ، ولم يذكر الاشتغال بعلم الفقه لأنه حاصل من القرآن والحديث إذ كتب الحديث المؤلفة غالبها على ترتيب أبواب الفقه ، وأن يشتغل في أثناء ذلك بمجالسة الأخيار الصالحين من أهل المعارف والأذواق الذين سيماهم في وجوههم من أثر السجود ، وإذا ذكر اللّه ( فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخا ) وثباتا ( بما يقرع سمعه من أدلة القرآن ) الباهرة وحججه القاهرة وقرعها للسمع كناية عن وصولها إليه بشدة ، ( وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث ) الدالة على المقصود ( وفوائدها ) المستنبطة فيها ، ( وبما يسطع عليه ) أي على قلبه ويلوح ( من أنوار العبادات ) أي الحاصلة منها ( و ) من ( وظائفها ) اللائحة على ظاهره وباطنه ، فمن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار أي وجه قلبه ( وبما يسري إليه من ) بركات ( مشاهدة الصالحين ) من عباد اللّه ( ومجالستهم ) وملاحظتهم ومؤانستهم وآدابهم ( وسيماهم ) الظاهر المعمور بالأنوار ( وهيئاتهم ) في حركاتهم وسكناتهم ( في الخضوع للّه تعالى ) بسكون الجوارح وتلقي الواردات الإلهية ( والخوف منه ) والإستشعار بهيبته ( والإستكانة ) أي : التذلل وشغل اللسان بذكره وحفظ القلب عن حضور ما سواه فيه ، ( فيكون من أول اليقين كإلقاء بذرفي ) أرض ( الصدر ، وتكون هذه الأسباب ) المذكورة بجملتها ( كالسقي والتربية له ) . فشواهد القرآن والحديث بمنزلة الماء لذلك البذر ، ومنها حياته الأصلية إذ لولاها لذوي ، وأنوار العبادات ومجالسة الأخيار بمنزلة التربية له بحفظه عما يضره ( حتى ينمو ذلك البذر ) نموا ظاهرا ( ويقوي ) أصله ( ويرتفع ) على ساق المتانة ( شجرة طيبة ) نافعة ( راسخة ) قوية ( أصلها ثابت ) في أرض القلب ( وفرعها ) الزاكي مرتفع ( في السماء ) تجتني منها المعارف والاهتداء ، ( وينبغي أن يحرس ) أي يصان ( سمعه ) في أثناء ذلك ( من ) طرق ( الجدال ) والمخاصمات ( والكلام )