تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
درجات المجاهدة ودرجات الباطن في النظافة والطهارة عما سوى اللّه تعالى . وفي الاستضاءة بنور اليقين ، وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم إذ يختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطرة في الذكاء والفطنة ، وكما لا تنحصر تلك الدرجات ، فكذلك هذه .
شرح
المجاهدة و ) بحسب ( درجات الباطن في النظافة والطهارة ) بتفريغه ( عمن سوى اللّه وفي الإستضاءة بنور اليقين ) والمعرفة والعقل وفي عمارة السر بمشاهدة المحبوب ، ( وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطب والفقه وسائر العلوم إذ يختلف ذلك باختلاف الإجتهاد ) والرياضات ( واختلاف الفطرة ) التي فطر عليها ( في الذكاء والفطنة ) واتقاد الباطن ، وانقسام كل منهم في الحالين كانقسام حفاظ القرآن مثلا . فمن حافظ لبعضه ويكون ذلك البعض أكثر أو كثيرا منه دون كماله ، ومن حافظ لجميع لكنه متلعثم فيه ، ومن حافظ له ماهر في تلاوته غير متوقف فيه ، ( فكما لا تنحصر تلك الدرجات فكذلك هذه ) وكل على قدر حظه منه بما أتيح له من الأزل ، وبسبب اختلاف تلك الدرجات اختلفت أحوالهم . والحاصل مما سبق من كلام المصنف أن الصبيان والعوام لا ينبغي أن يلقنوا بأكثر مما ذكر في العقيدة المختصرة ، فإن فيها مقنعا لهم وزجرا عن الوقوع فيما يضرهم ، وفي معنى العوام كل ما لا يوصف بهذه الصفات وهي التجرد لطلب المعرفة والاستعداد لها والخلو عن الميل إلى الدنيا والشهوات والتعصبات للمذاهب وطلب المباهاة بالمعارف والتظاهر بذكرها مع العوام كما ستأتي الإشارة إليها في كلام المصنف فيما بعد ، فالحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف . أعني مذاهب الصحابة والتابعين ، وقد قال المصنف في الجام العوام : أن حقيقة مذهب السلف وهو الحق عندنا أن عوام الخلق يجب عليهم في معتقدهم سبعة أمور . أحدها : التقديس ، ثم التصديق ، ثم الاعتراف بالعجز ، ثم السكوت ، ثم الكف ، ثم الإمساك ، ثم التسليم لأهل المعرفة . أما التقديس فأعني به تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها ، وأما التصديق فهو الإيمان بما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم وأن ما ذكره حق وهو فيما قاله صادق ، وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده . وأما الاعتراف بالعجز فهو أن يقرّ بأن معرفة مراده ليس على قدر طاقته ، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته . وأما السكون فإنه لا يسأل عن معناه ولا يخوض فيه ويعلم أن سؤاله عنه بدعة وأنه في خوضه فيه مخاطر بدينة ، وأنه يوشك أن يكفر إن خاض فيه من حيث لا يشعر . وأما الإمساك فهو أن لا يتصرف في تلك الألفاظ الواردة بالتصريف والتبديل بلغة أخرى والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق ، بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ ، وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والتصريف والصيغة . وأما الكف فإن يكف باطنه عن البحث عنه والتفكر والتصرف فيه . وأما التسليم لأهله فأن يعتقد أن ذلك وإن خفي عليه لعجزه فقد لا يخفى على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو على الأنبياء أو على الصديقين والأولياء . فهذه سبعة وظائف اعتقد كافة السلف وجوبها على كل العوام . لا ينبغي أن يظن بالسلف الخلاف في شيء منها .