يستقصى عليكم ، وأما الحلق فلم يرد . والإحفاء القريب من الحلق . نقل عن الصحابة :
نظر بعض التابعين إلى رجل أحفى شاربه فقال : ذكرتني أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال المغيرة بن شعبة : نظر إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد طال شاربي فقال : « تعال فقصه لي على سواك » ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب ، فعل ذلك عمر وغيره لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اعفوا
شرح
يستقصي عليكم ) من أحفاه في المسألة بمعنى ألح وألحف واستقصى ، ( وأما الحلق فلم يرد ) وتقدم أن مالكا كان يراه مثلة ويأمر بأدب فاعله .
قلت : ومن جهة الورود ، فقد ورد فيما رواه النسائي من حديث أبي هريرة : خمس من الفطرة فذكر وحلق الشارب ، فقول المصنف لم يرد فيه نظر إلا أنه يحمل على الإحفاء القريب من الحلق لئلا تتضاد الروايات ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( والإحفاء القريب من الحلق ) وهو المعبر عنه بالاستئصال ، فقد ( نقل ) ذلك ( عن ) جماعة من ( الصحابة ) رضوان اللّه عليهم . منهم ابن عمر فإنه كان يرى استحباب استئصاله . ( نظر بعض التابعين رجلا أحفى شاربه فقال :
ذكرتني أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، فقال : هكذا كانوا يحفون شواربهم ؟ فقال : نعم . كذا في القوت وهو دليل قوي للكوفيين ، وقد أجمعوا على استحباب القص ، وخالفهم الظاهرية فقالوا بوجوبه ، وتقدم المختار في صفة قصه ، والقائلون به حملوا رواية : اعفوا وانهكوا وجزوا على القص ، وبعضهم حمل على احفاء ما طال على الشفتين ، ويدل على أن المراد التقصير لا الاستئصال رواية النسائي من حديث أبي هريرة : خمس من الفطرة فذكر وتقصير الشارب ، لكن يعكر عليه رواية وحلق الشارب . وأشار المصنف إلى دليل التقصير بقوله : ( وقال المغيرة بن شعبة ) الثقفي الصحابي شهد الحديبية وولي الكوفة مرات وبرأيه ودهائه يضرب المثل . روى عنه بنوه وعروة والشعبي وزياد بن علاقة . مات سنة خمسين من الهجرة . ( نظر إلي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد طال ) وفي القوت : وقد عفا ( شاربي فقال : « تعال فقصه لي على السواك » ) . رواه أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وإسناده صحيح . ووجه الاستدلال به أنه لو كان المراد استئصاله لما وضع السواك حتى يقطع ما زاد عليه . وقال العراقي في شرح التقريب ، وذهب بعض العلماء إلى أنه مخير بين الأمرين حكاه القاضي عياض ، ثم اختلفوا في كيفية قص الشارب هل يقص طرفاه أيضا وهما المسميان بالسبالين أم يتركان كما يفعله كثير من الناس ، وقد أشار إلى ذلك المصنف بقوله : ( ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب ) عن يمين وعن شمال ( فعل ذلك عمر ) بن الخطاب رضي اللّه عنه ( وغيره ) من الصحابة والتابعين منهم الحسن بن سالم كما في القوت ( لأن ذلك لا يستر الفم ) لبعدهما عنه ( ولا يبقى فيه غمر الطعام ) أي زفره ( إذ لا يصل إليه ) وقت الأكل ، وفهم من ذلك أن سبب قص الشوارب هاتان العلتان . وروى أبو داود من رواية أبي الزبير عن جابر قال : كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة ، وكره بعضهم بقاء السبال لما فيه من التشبه بالأعاجم بل المجوس وأهل الكتاب . قال العراقي في شرح التقريب :