أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل إذ لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا ، فإذا نسب مدة المقام في الدنيا إلى مدة المقام في الآخرة استحقرها إن لم يكن ممن أغفل قلبه وأعميت بصيرته .
ومن السنن : أن لا يسلم عند الدخول وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السّلام ، بل يسكت إن أجاب غيره وإن أحب قال : عافاك اللّه ولا بأس بأن يصافح الداخل ويقول :
« عافاك اللّه » لابتداء الكلام . ثم لا يكثر الكلام في الحمام ولا يقرأ القرآن إلا سرا ولا بأس بإظهار الاستعاذة من الشيطان ، ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريبا من الغروب ، فإن ذلك وقت انتشار الشياطين ، ولا بأس بأن يدلكه غيره ، فقد نقل ذلك
شرح
والقبول ، وما أجدر أن يكون هذا التأمل هو الغالب على قلب العاقل ) مستوليا عليه ( إذ لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا ) وضرورياتها ( فإذا نسب مدة المقام في الدنيا ) أي مدة إقامته فيها ولو على أطول عمر رجل ( إلى مدة المقام في الآخرة ) إما في النعيم وإما في الحجيم ( استحقرها ) أي مهمات الدنيا ( إن لم يكن ممن أغفل قلبه ) وفي نسخة ممن أقفل على قلبه ( وأعميت بصيرته ) ، فإن من كان بهذا الوصف فلا ينظر إلا أمور الدنيا وليس له حظ في أمور الآخرة ، فإذا سمع شيئا منها استبعدها ، وأشار إلى العاشر من السنن بقوله :
( ومن السنن : أن لا يسلم ) على أحد ( عند الدخول ) في البيت الأول منه ، ( وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السّلام بل يسكت إن أجاب غيره ) ومقتضاه أنه لو أجاب بلفظ غير السّلام جاز ، وذلك لأنه محل تكشف فيه العورات وترتفع فيه الأصوات فلا يناسب ذكر اسم اللّه تعظيما له . وفي القوت : وروينا أن رجلا سلم على الحسن رضي اللّه عنه في الحمام فقال : ليس في الحمام سلام ولا تسليم ، ( وإن أحب قال ) في الجواب ( عافاك اللّه ) أي محا عنك الذنوب والأسقام ، وقد صارت هذه الكلمة معروفة في خطاب من يخرج من الخلاء أو يقول عوفيت وشفيت أو نعيما لكم أو ما أشبه لك ، ( ولا بأس بأن يصافح الداخل ) أي يأخذ بيده استئناسا للكلام ( ويقول : عافاك اللّه ) وأدام سلامتك ( لابتداء الكلام ) بدل السّلام . ( ثم ) من الآداب ( لا يكثر الكلام في الحمام ) فإنه مما يسقط المروءة ويقل الهيبة ، ( ولا يقرأ القرآن ) فيه تنزيها له عن القراءة في محل الأقذار والنجاسات ( إلا سرا ) فإنه لا بأس به فهو كالذكر الخفي و ( لا بأس بإظهار الإستعاذة ) باللّه ( من الشيطان ) عند توجهه إلى باب الخلوة وعند الإنتقالات ، ( ويكره دخول الحمام بين العشاءين ) أي المغرب والعشاء ، ( و ) كذلك ( قريبا من الغروب ) إلا لعذر ، ( فإن ذلك وقت انتشار الشياطين ) كما ورد في حديث ، ( و ) من جملة مهماته الغمز والدلك ، فقد قالوا : من دخل الحمام ولم يكيس أو لم يكبس فقد جلب الضرر إلى نفسه ، فالأولى : التدليك ، والثانية : الغمز والجمع بينهما حسن ، و ( لا بأس أن ) يدلك بنفسه وأن ( يدلكه غيره ) وهو الأنسب ، ( فقد نقل ذلك ) صاحب القوت قال : حدثني بعض إخواني