المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه ، لا سيما الماء الحار فله مؤنة وفيه تعب وأن يتذكر حر النار بحرارة الحمام ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحارّ ساعة ويقيسه إلى جهنم ، فإنه أشبه بيت بجهنم : النار من تحت والظلام من فوق نعوذ باللّه من ذلك ، بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة فإنها مصيره ومستقره فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة ، فإن المرء ينظر بحسب همته .
فإذا دخل بزاز ونجار وبناء وحائك دارا معمورة مفروشة فإذا تفقدتهم رأيت البزاز
شرح
الخروج منه ، فإن البدن حينئذ متسخن متخلخل قابل للتأثير بسرعة ، ( و ) الثامن : ( أن لا يكثر صب الماء ) على بدنه وأطرافه ( بل يقتصر على قدر الحاجة ) إليه وهو ممنوع طبا وشرعا ، فأما طبا فإنه يرهل البدن ويرخي الأطراف ، وأما شرعا فبعد أن نقول أنه من الإسراف ( فإنه ) القدر ( المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمه الحمامي لكرهه ) ، ولو كانت الأجرة مقدمة ( لا سيما الماء الحار ) أي المسخن ( فله مؤنة ) وكلفة الوقيد ( وفيه تعب ) ظاهر . ( و ) التاسع ( أن يتذكر حر النار بحرارة الحمام ) ولذع مسه وغشيان ظلمته ( ويقدر نفسه محبوسا في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم ) ولو كان بين النارين شتان ( فإنه ) أي الحمام ( أشبه بيت بجهنم النار من تحت ) الأطباق ( والظلام من فوق ) وهكذا حال جهنم ( نعوذ باللّه من ذلك ) . وليذكر بقلة صبره على الحمام عظيم كربة حبسه في جهنم وأنه لو أقام في الحمام فضل ساعة لضعفت روحه ويخرج خفوتا فيكون له في الحمام موعظة وعبرة وهذا الذي ذكره المصنف بالنسبة إلى حمامات بلاد الروم والشام والعجم ، فإنهم يجعلون الحمامات على سراديب يوقدون تحتها فلا يستطيع الإنسان أن يقعد إلا على لوح خشب ، ولا يكاد أن يمشي إلا بنعلي خشب لشدة حرارة الأرض ، وأما حمامات الديار المصرية فعلى خلاف ذلك ، فإنهم يوقدون تحت القدور التي فيها المياه فقط ، ويسخن لشدة حرارة الماء . ومما يتذكر الإنسان إذا دخل الحمام عند تجريده عن الثياب ثم تمدده بين يدي الدلاك وتغميزه في الأعضاء بالدلك بتمدده بين يدي المغسل وتجريده الثياب عنه ، ( بل العاقل ) الكامل ( لا يغفل عن ذكر ) أمور ( الآخرة في لحظة ) من اللحظات ، ( فإنها ) أي الآخرة ( مصيره ) أي مرجعه ( ومستقره فيكون له في كل ما يراه ) بعينه ( من ماء أو نار أو غيرهما ) كتجريد عن الثياب وتمدد بين يدي الدلاك ( عبرة ) يعتبر بها ( وموعظة ) يتعظ بها ، ( فإن المرء ينظر ) الشيء ( بحسب همته ) واستعداده الذي جبل عليه ، ( فإذا ) فرض أنه ( دخل بزاز ) من يبيع أنواع البز ( ونجار ) من يتعانى نجر الخشب وتسويته ( وبناء ) من يتعاطى بناء الدور والمنازل ( وحائك ) من يحوك الثياب وينسجها وكذا نقاش ( دار معمورة ) منقوشة ( مفروشة ) بأنواع النقوش في الحيطان والسقوف وأنواع الفرش الفاخرة ( فإذا تفقدتهم ) وتطلبت باطن أحوالهم ( رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها ) وإن طاقة من هذه تسوى كذا ومن