ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها ، والحائك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها ، والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها ، والبنّاء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية احكامها واستقامتها . فكذلك سالك طريق الآخرة لا يرى من الأشياء شيئا إلا ويكون له موعظة وذكرى للآخرة ، بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح اللّه عز وجل له طريق عبرة ، فإن نظر إلى سواد تذكر ظلمة اللحد ، وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم ، وإن نظر إلى صورة قبيحة شنيعة تذكر منكرا ونكيرا والزبانية ، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور ، وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة ، وإن سمع كلمة رد أو قبول في سوق أو دار تذكر ما ينكشف من آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول ، وما أجدر
شرح
هذه تسوى كذا ، ( والحائك ينظر إلى الثياب ) وهيئاتها ( ويتأمل نسجها ) وحياكتها ، ( والنجار ينظر إلى السقوف ) وما فيها من الخشب هل هو رومي أو عربي ؟ ( ثم يتأمل كيفية تركيبها ) ، ولقد دخلت مرة مع بعض أصحابنا من أهل العلم قصرا بناه بعض الأمراء خارج مصر ، فبمجرد ما وقع بصره على سقوفه لم يعجبه إلا الخشب ولم يلتفت إلى غيره من بناء وتجصيص وغير ذلك ، فتعجبت من ذلك غاية العجب ولم يخطر ببالي إذ ذاك إلا حسن اتقانه من حيث المجموع في الجملة ولم يعد غير ذلك ( والبناء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها ) والنقاش ينظر إلى النقوش والصباغات والدهانات ، ( فكذلك سالك طريق الآخرة لا يرى من الأشياء ) الظاهرة بعينه ( شيئا إلا ويكون له موعظة وذكرى للآخرة ) يتعظ به ويتذكر ويتصبر ويتدبر ، ( بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح اللّه عز وجل له طريق عبرة ) يعتبر بها ، ( فإن نظر إلى سواد يذكره ظلمة اللحد ) أي القبر فإنه لا منفذ فيه للنور أصلا ، وإن نظر إلى نور مضيء يذكره نور الإيمان حين يسعى بين يديه وبإيمانه ، ( وإن نظر إلى حية ) أو عقرب ( تذكره أفاعي جهنم ) وعقاربها وما لها من عظم الجثة والسم ، ( وإن نظر إلى صورة قبيحة شنيعة ) منكرة ( تذكره منكرا ونكيرا ) وكيفية دخولهما في القبر وهم على صورة بشعة ولهم أنياب كأنياب الكلاب يشقون الأرض شقا حتى يدخلوا القبر ، ( و ) كذلك تذكره تلك الصورة ( الزبانية ) وهم طائفة من الملائكة يدفعون أهل النار إليها ، ( وإن سمع صوتا هائلا ) أي عظيما مخوفا ( تذكر نفخة الصور ) حين ينفخ فيه سيدنا إسرافيل عليه السّلام واذكر أني كنت صغيرا دون البلوغ فسمعت رجلا ينفخ في صور فتذكرت هول يوم القيامة وهالني ذلك الصوت حتى غشي علي فما أقاموني عن الأرض إلا بعد أن رشوا الماء على وجهي وصرت بعد ذلك لا يخرج هول ذلك الصوت من خيالي مدة . ( وإن رأى شيئا حسنا ) تستحسنه النفوس والعيون ( تذكر نعيم الجنة ) وأن لا عيش إلا عيش الآخرة وهذا الذي يرى نعيما زواله عن قريب ، وإنما المدار على نعيم الجنة . ( وإن سمع كلمة رد أو قبول في سوق أو دار تذكر ما ينكشف من آخر أمره ) يوم العرض على اللّه عز وجل ( بعد الحساب من الرد