تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 637

مساهمون:

ص٦٣٧
الإنكار واستشعار الاحتراز عند التعيير بالمعاصي وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه عنه فلا يجوز تركه ، ولمثل هذا صار الحزم ترك دخول الحمام في هذه الأوقات إذ لا تخلو عن عورات مكشوفة لا سيما ما تحت السرة إلى ما فوق العانة ، إذ الناس لا يعدونها عورة وقد ألحقها الشرع بالعورة وجعلها كالحريم لها ، ولهذا يستحب تخلية الحمام . وقال بشر بن الحرث : ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ليخلي له الحمام . ورؤي ابن عمر رضي اللّه عنهما في الحمام ووجهه إلى الحائط وقد عصب عينيه بعصابة . وقال بعضهم : لا بأس بدخول الحمام ولكن بازارين : إزار للعورة وإزار للرأس يتقنع به ويحفظ عينيه .
شرح
قلب ) من قلوب المؤمنين ( عن التأثر من سماع الإنكار ) والمبادرة لقبوله ( واستشعار الاحتراز عند التعيير ) أي التعييب ( بالمعاصي ) أي إذا عير الإنسان بمعصية فإنه لا محالة يستشعر الاحتراز عنها لما جبلت النفوس على الفرار من تعييرها بها ، ( وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه ) وتحسينه لتركه ( وتنفير نفسه عنه فلا يجوز تركه ) لأجل ذلك ، ( ولمثل هذا ) وأمثاله في المنكرات ( صار الحزم ) والرأي الصائب ( ترك دخول الحمام في هذه الأوقات ) وهذا في زمانه فكيف في زماننا ، ومن قبل هذا الوقت فقد صار المعروف منكرا والمنكر معروفا ولا حول ولا قوة إلا باللّه . ( إذ لا يخلو عن عورات مكشوفة ) غالبا ولو من خدمة الحمام فإنهم لا يبالون فيها ( لا سيما ما تحت السرة إلى ما فوق العانة ) وهي منبت الشعر ( إذ الناس لا يعدونها عورة ) فلا ينفكون عن كشفها ، ( وقد ألحقها الشرع بالعورة وجعلها كالحريم لها ) ومن حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه ، وفي بعض النسخ بتذكير الضمير في المواضع الثلاثة ، ( ولهذا يستحب تخلية الحمام ) بأجرة معينة . ( وقال بشر بن الحرث ) الحافي رحمه اللّه تعالى : ( ما أعنف ) من التعنيف ويوجد في بعض النسخ ما أعرف وهو غلط ( رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ) للحمامي ( ليخلي له الحمام ) أي استحسن فعله ذلك ولا أعنف عليه إذ قصده جميل ، وكان بشر يعطي ليخلي له الحمام ، وكان يغلقه عليه من داخل ومن خارج . ( ورؤي ابن عمر رضي اللّه عنهما في الحمام ووجه إلى الحائط وقد عصب ) أي ربط على ( عينيه بعصابة ) خوفا من وقوع بصره على ما يحرم النظر إليه . ( وقال بعضهم : لا بأس بدخول الحمام ولكن بإزارين إزار للعورة ) يستر به عليها بأن يشده فوق سرته ويرخيه إلى أسافل الساقين ، ( وإزار للرأس يتقنع به ) أي يجعله كقناع المرأة على رأسه ( ويحفظ عينيه ) ويروى في مناقب الإمام أبي حنيفة أنه دخل الحمام مرة عاصبا على عينيه ، فقال له بعض المتهورين : متى عميت عينك يا إمام ؟ فقال : مذ كشفت عورتك ؟ وأورده صاحب القوت ونسبه إلى الأعمش قال : دخل الأعمش الحمام فرأى عريانا فغمض عينيه وجعل يلتمس الحيطان فقال له العريان : متى كف بصرك يا هذا ؟ فقال : منذ هتك اللّه سترك .