تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
محبوب . وهذه أحوال باطنة بين العبد وبين اللّه عز وجل . والناقد بصير والتلبيس غير رائج عليه بحال ، وكم من جاهل يتعاطى هذه الأمور التفاتا إلى الخلق ، وهو يلبس على نفسه وعلى غيره ويزعم أن قصده الخير ، فترى جماعة من العلماء يلبسون الثياب الفاخرة ويزعمون أن قصدهم إرغام المبتدعة والمجادلين والتقرب إلى اللّه تعالى به . وهذا أمر ينكشف يوم تبلى السرائر ، ويوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور ، فعند ذلك تتميز السبيكة الخالصة من البهرجة ، فنعوذ باللّه من الخزي يوم العرض الأكبر .
شرح
بالنفس ) بعدم مراعاة أحوالها ( محذور ) ، فإنه إنما ترك ذلك لأجل أن يقال أنه على قدم السلف الصالح ويرى من نفسه ذلك ، ( و ) أما ( تركه شغلا بما هو أهم منه ) من التوجه لتطهير الباطن ، فإنه ( محبوب ) . ومن ذلك قيل لداود الطائي : لم لا تسرح لحيتك ؟ قال إني إذا لفارغ أشار بذلك إلى أنه مشغول فيما هو أهم وقال بشر : لو دخل عليّ داخل ففسحت لأجله لظننت أني مشرك . وحاصل القول أن هؤلاء السادة كانوا مشغولين بتطهير البواطن عن الرذائل متطلعين إلى ما يقربهم إلى اللّه تعالى ، ولم يكونوا مأمورين بدعوة الخلق إلى اللّه تعالى ، ولذا كانوا يخافون في تزيين الظواهر من الوقوع في الشرك الخفي والرياء ، وأما المقام المحمدي فمقتضاه ما ذكره المصنف : له وجه إلى الحق ووجه إلى الخلق ، فبالوجه الذي إلى الخلق يلزمه مراعاة ما يناسب مقام أهل الظاهر بأن يكون مكملا حسن الأوصاف والشمائل لئلا تنفر عنه القلوب وتنبو عنه العيون ، وبالوجه الذي إلى الحق فإنه لا يسعه فيه من مراعاة أحوال الظاهر لاشتغاله بما هو أهم وهذا هو الحق واللّه أعلم . ( وهذه ) وأمثالها ( أحوال باطنة بين العبد وبين اللّه عز وجل ) لا يطلع عليها أحد سواه ( والناقد بصير ) لا يشذ عن علمه شيء ( والتلبيس ) والنفاق ( غير رائج عليه بحال ) من الأحوال ، ( وكم من جاهل يتعاطى هذه الأمور إلتفاتا إلى الخلق ) وإظهارا لهم ( وهو يلبس على نفسه ) بالتسويلات ( وعلى غيره ) بالإرهاصات ، ( ويزعم أن قصده الخير ) وأنه يتشبه بذلك بالسلف وباطنه مع ذلك مغمور بداء الجهل والشيطان مستول على قلبه ، ( فترى جماعة من العلماء يلبسون الثياب الفاخرة ) ويطيلون أكمامها وذيولها ويكبرون العمائم ويركبون على المراكب الفارهة وفي منازهم الحشم والغلمان ( ويزعمون أن قصدهم ) بذلك ( إرغام المبتدعة و ) إدحاض حجة ( المجادلين ) من مخالفي مذهبهم لئلا يحتقروهم ( والتقرب إلى اللّه تعالى به ) باعتبار أنه تعظيم للعلم ، ( و ) لعمري ( هذا ) من جملة تسويلات الشيطان عليهم حيث استولى عليهم بالكلية فأخرجهم عن دائرة المعرفة إلى مهاوي الجهل وأراهم القبيح حسنا وهو أمر مستور عن العيون محجوب عن الإحساس لا ( ينكشف ) إلا ( يوم تبلى السرائر ) وتمتحن الضمائر ، ( ويوم يبعثر في القبور ) أي يدحرج ما فيها من الأموات ( ويحصل ما في الصدور ) من النيات ، ( فعند ذلك تتميز السبيكة الخالصة من البهرج ) المغشوش . ( فنعوذ باللّه من الخزي ) والفضيحة ( يوم العرض الأكبر ) على اللّه عز وجل .