تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
واجب على كل عالم تصدى لدعوة الخلق إلى اللّه عز وجل ، وهو أن يراعي من ظاهره ما لا يوجب نفرة الناس عنه . والاعتماد في مثل هذه الأمور على النية فإنها أعمال في أنفسها تكتسب الأوصاف من المقصود ، فالتزين على هذا القصد محبوب وترك الشعث في اللحية اظهارا للزهد وقلة المبالاة بالنفس محذور وتركه شغلا بما هو أهم منه
شرح
اتباعا لهم لعدم تمكين نور الإيمان في قلوبهم . قال القاضي عياض في الشفاء : الأنبياء منزهون عن النقائص في الخلق والخلق ، سالمون من المعايب ولا يلتفت إلى ما قاله من لا تحقيق عنده في هذا الباب من أصحاب التاريخ في صفات بعضهم وإضافة بعض العاهات إليهم ، فاللّه تعالى قد نزههم عن ذلك ورفعهم عن كل ما هو عيب ونقص مما يغض العيون وينفر القلوب . وكذا ذكر النووي والقرطبي في شرح الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه « كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى عليه السّلام يغتسل وحده » . الحديث . قال العراقي في شرح التقريب : وقد يقال دل الحديث على سلامته عليه السّلام مما نسبوه إليه ، وأما كونه يجب تنزيهه وتنزيه غيره من الأنبياء من هذا العيب وغيره ، فهو مقرر من خارج وفي أخذه من هذا الحديث نظر . وذكر القرطبي هذا الكلام وقيده بقوله في أول خلقهم ، ثم قال : ولا يعترض علينا بعمى يعقوب وبابتلاء أيوب ، فإن ذلك كان طارئا عليهم محبة لهم وليقتدي بهم من ابتلى ببلاء في حالهم وصبرهم ، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة اللّه تعالى ، ثم إن اللّه تعالى أظهر كرامتهم ومعجزتهم بأن أعاد يعقوب بصيرا عند وصول قميص يوسف له ، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع اللّه له عند ركضه الأرض برجله ، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم وتمكينا في كمالهم ومنزلتهم . ثم قال المصنف : ( وهذا القصد واجب على كل عالم ) من علماء الآخرة ( تصدى لدعوة الخلق إلى اللّه عز وجل ) أي : قام يدعوهم إلى اللّه بإرشاده وتسليكه وتهذيبه لنفوسهم وفطمها عن شهواتها الخسيسة ، وإنما قيدت العالم بكونه من علماء الآخرة لأن علماء الدنيا الذين بصدد تحصيل الحطام يعلمون الناس العلوم الظاهرة ليسوا في مقام الدعوة والإرشاد ، فإن نفوسهم قد جبلت على الشهوات المذمومة ورسخت فيهم أوصاف الكبر والحقد والغل ، فهم ومن يتبعهم في الظاهر على شفا جرف ، ( وهو أن يراعي من ظاهره ما لا يوجب نفرة الناس عنه ) ، فمن ذلك الإقتصاد في الملابس والمطاعم وسائر الأفعال ، ويدخل في هذا أن لا يقضي بنفسه حوائج السوق من خبز عجين وشراء لحم وغيره مما ينسب لإنسان في مثله إلى دناءة وقلة مروة ، مع أن هذا وأمثاله كان من سيرة السلف الصالحين ، ولكن الآن مما يوجب نفرة الناس عنه وينسب إلى بخل ودناءة ، فينبغي تركه ليسلم من ألسنة الناس ، وهذا ظاهر في زماننا ولا ينبئك مثل خبير ، ( والاعتماد في مثل هذه الأمور على النية ) فإن لكل امرئ ما نوى ( فإنها أعمال في أنفسها تكتسب الأوصاف من المقصود فالتزين ) للناس ( على هذا القصد ) الحسن ( محبوب ) شرعا ( وترك الشعث في اللحية ) بعدم تسريحها ( إظهارا للزهد ) والتقشف ( وقلة المبالاة