طويل اللحية رقيقها ، وكان علي عريض اللحية قد ملأت ما بين منكبيه . وفي حديث أغرب منه قالت عائشة رضي اللّه عنها : « اجتمع قوم بباب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج إليهم فرأيته يطلع في الحب يسوّي من رأسه ولحيته ، فقلت : أو تفعل ذلك يا رسول اللّه ؟ فقال : نعم إن اللّه يحب من عبده أن يتجمل لاخوانه إذا خرج إليهم » والجاهل ربما يظن أن ذلك من حب التزين للناس قياسا على أخلاق غيره وتشبيها للملائكة بالحدادين وهيهات ! فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بالدعوة ، وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم كيلا تزدريه نفوسهم ويحسن صورته في أعينهم كيلا تستصغره أعينهم فينفرهم ذلك ويتعلق المنافقون بذلك في تنفيرهم . وهذا القصد
شرح
رضي اللّه عنه ( طويل اللحية رقيقها ) والطول والرقوقة يباين الكثوثة ، وكان أهل مصر يشبهونها بلحية نعثل رجل من اليهود كان بمصر يعيبون عليه بذلك ، ( وكان علي ) رضي اللّه عنه ( عريض اللحية ) عظيمها ( قد ملأت ما بين منكبيه ) لكثرة شعرها ، ومع ذلك كان رضي اللّه عنه قصير القامة . ( وفي حديث أغرب منه ) أي أكثر غرابة مما ذكر ( قالت عائشة رضي اللّه عنها : اجتمع قوم ) من الأعراب ( بباب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) أي ينظرون خروجه فخرج إليهم ( فرأيته يطلع ) أي بوجهه الشريف ( في الحب ) بالضم وهو وعاء كالخابية فيها ماء ( يسوي من رأسه ولحيته ) أي يصلح شعرهما بالتسوية . قالت عائشة ( فقلت : أو تفعل ذلك يا رسول اللّه ) ؟ كأنها تستفهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم متعجبة من فعله وما كانت قبل ذلك رأته يفعل مثل ذلك . ( فقال : « نعم إن اللّه يحب من عبده أن يتجمل لأخوانه ) أي يريهم أثر جمال اللّه ( إذا خرج إليهم » ) قال العراقي : أخرجه ابن عدي في الكامل ، وقال : حديث منكر اه . وكأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مستعجلا في الخروج إليهم ، ولذا لم يلتفت إلى المرآة ينظر فيها وجهه الشريف ، ونظر في الحب لصفاء مائه بل هو يرى أحسن من المرآة ويحكى الوجه كما هو بلونه ، ولذا اتخذ الملوك ديدنهم في الرؤية فيه بدلا عن المرآة . ( والجاهل ) بمعارف العلوم والأسرار الخفية ( ربما يظن ) بحدسه ( أن ذلك الفعل ) منه صلّى اللّه عليه وسلّم ( من حيث التزين ) أي إظهار الزينة ( للناس ) أي ليروه مزينا ( قياسا على أخلاق غيره ) صلّى اللّه عليه وسلّم لعدم تمييزه ( وتشبيها للملائكة ) العلويين ( بالحدادين ) المستفلين . ( وهيهات ) : فما أبعد ظنه ، ( فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بالدعوة ) أي بدعاء الخلق إلى اللّه تعالى ، وحيث ثبتت نبوّته ثبتت دعوته ، وأخرج أبو يعلى ، وابن عدي من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رفعه « بعثت داعيا ومبلغا » الحديث واسناده ضعيف ، ( وكان من ) جملة ( وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم ) أي أولئك المدعوّين ( كيلا تزدريه ) أي تحتقره ( نفوسهم ) وتشمئز منه ، ( و ) أن ( يحسن صورته ) الظاهرة ( في أعينهم ) فيروه على أعلى مراتب الجمال ( كيلا تستصغره ) أي تستذله ( أعينهم ) عند وقوع الرؤية عليه ( فينفرهم ذلك ويتعلق المنافقون بذلك في تنفيرهم )