فهذه سنن الوضوء والغسل ذكرنا منها ما لا بد منه لسالك طريق الآخرة من علمه وعمله ، وما عداه من المسائل التي يحتاج إليها في عوارض الأحوال فليرجع فيها إلى كتب الفقه . والواجب من جملة ما ذكرناه في الغسل أمران . النية واستيعاب البدن
شرح
مهمة :
نقل أصحابنا الإجماع على عدم لزوم تقدير الماء للغسل والوضوء ، لأن طباع الناس وأحوالهم تختلف فتجوز الزيادة على الصاع في الغسل ، وعلى المد في الوضوء بما لا يؤدي إلى الوسوسة . وقال الرافعي : ماء الوضوء والغسل غير مقدر . قال الشافعي رضي اللّه عنه : وقد يخرق بالكبير فلا يكفي ويرفق بالقليل فيكفي ، والأحب أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد ، وماء الغسل عن صاع لما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع ، والصاع والمد معتبران على التقريب دون التحديد واللّه أعلم . وقال النووي في الروضة : والمد هنا رطل وثلث بالبغدادي على المذهب ، وقيل : رطلان . والصاع أربعة أمداد واللّه أعلم . ثم قال الرافعي : وحكى بعض مشايخنا عن أبي حنيفة أنه يتقدر ماء الغسل بصاع فلا يجوز بأقل منه وماء الوضوء بمد ، وربما حكي ذلك عن محمد بن الحسن .
( فهذه ) جملة من ( سنن الوضوء و ) سنن ( الغسل ) وآدابهما ( ذكرنا منها ما لا بدّ لسالك طريق الآخرة من علمه ) ومعرفته ( وعمله ) أي العمل به ، وإنما قيد طريق الآخرة لأن السالك لطريق الدنيا لا يكتفي بهذا القدر ، بل يتطلب لما وراء ذلك من الدقائق والمشكلات والتوجيهات ، ( وما عداه من المسائل التي يحتاج إليها في عوارض الأحوال فيرجع فيها إلى كتب الفقه ) المؤلفة المبسوطة المتضمنة لتلك الدقائق في المذهبين ، ولما فرغ من بيان كيفية الغسل بطريق الأكمل وقدمه لما فيه من البسط والتطويل ، وأشار إلى القول بكيفيته بالأقل بقوله :
( والواجب من جملة ما ذكرناه في الغسل أمران : أحدهما النية ) قد أجمعوا على وجوبها في طهارة الحدث والغسل من الجنابة لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات » إلا أبا حنيفة فإنه قال : لا تجب النية فيهما ويصحان مع عدمهما . قال الرافعي : فلا يجوز أن تتأخر النية عن أوّل الغسل كما لا يجوز أن تتأخر في الوضوء عن أوّل غسل الوجه وإن حدثت مقارنة لأوّل الغسل المفروض صح الغسل ، لكنه لا ينال ثواب ما قبله من السنن ، وإن تقدمت عن أوّل غسل مفروض وعزبت قبله فوجهان ، ثم إن نوى رفع الجنابة أو رفع الحدث عن جميع البدن أو نوت الحائض رفع حدث الحيض صح الغسل ، وإن نوى رفع الحدث مطلقا ولم يتعرض للعبادة ولا غيرها صح غسله أيضا على أظهر الوجهين ، ولو نوى رفع الحدث الأصغر فإن تعمد لم يصح غسله على أظهر الوجهين ، وإن غلط فظن أن حدثه الأصغر لم ترتفع الجنابة عن غير أعضاء الوضوء وفي أعضاء الوضوء وجهان : أظهرهما أنها ترتفع عن الوجه واليد والرجلين لأن غسل هذه الأعضاء واجب في الحدثين ، فإذا غسلها بنية غسل واجب كفى ولا ترتفع عن الرأس في أصح الوجهين لأن فرض الرأس في الوضوء المسح ، والذي نواه إنما هو المسح والمسح لا يغني عن