تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
العظم أنه مثل طبقات السماوات والأرض توزن فيه الأعمال بقدرة اللّه تعالى ، والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل تحقيقا لتمام العدل ، وتوضع صحائف الحسنات في صورة
شرح
البقاء من أوّل العمر إلى آخره . قد ورد بذلك الآيات والآثار ، وأكثرها لا يحتمل التأويل لا فرق في ذلك بين من يحاسب كالمكلف وغيره ، كما صححه النووي واختاره . والبعث والنشور عبارة عن معنى واحد وهو الإخراج من القبور بعد جمع جميع الأجزاء الأصلية وإعادة الروح إليها ، وأن إعادة الأجسام عن عدم محض فيوجدها اللّه تعالى بعد انعدامها بالكلية ، وقيل : عن تفريق محض فيذهب اللّه العين والأثر جميعا بحيث لا يبقى في الجسم جوهران فردان على الاتصال ، وعلى القول الأوّل يكون الجسم الثاني هو الأوّل المعدوم بعينه لا مثله ، وفي إعادة العرض القائم بالأجسام تبعا لمحله مذهبان : الأوّل : تعاد بأشخاصها التي كانت في الدنيا قائمة بالجسم حال الحياة وهو قول الأشعري ، والثاني : امتناع إعادتها مطلقا لأن المعاد إنما يعاد بمعنى فيلزم قيام المعنى بالمعنى وهو قول الفلاسفة ، وبعض المعتزلة ، والكرامية ، والخوارزمي . والأوّل الراجح . وفي جواز إعادة الزمن قولان ، ومما يجب اعتقاده أن اليوم الآخر حق وهو من يوم الحشر إلى ما لا يتناهى ، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ويدخل في جملة أمور الآخرة اعتقاد أن أخذ الصحف حق وهي كتب الأعمال التي تكتبها الملائكة ما فعلوها في الدنيا ، والرافع للصحف الريح من خزانة تحت العرش ، وأن كل أحد يدعى فيعطى صحيفته إما باليمين وهو المؤمن الطائع ، أو بالشمال وهو الكافر ، والمؤمن العاصي ملحق بالطائع على المشهور ، ومن أمور اليوم الآخر الميزان وغيره ، وقد ذكر ذلك في قوله : ( وأن يؤمن بالميزان ) والوزن : لغة معرفة كمية بأخرى على وجه مخصوص والحمل على الحقيقة ممكن ، لكن نمسك على تعيين جوهره ونصب الموازين بعد الحساب ، ثم عرف المصنف الميزان فقال : ( ذي الكفتين واللسان ) كفة للحسنات وهي من نور ، والأخرى من ظلمة وهي للسيئات ( وصفته ) أي الميزان ( في العظم أنه ) أي كل كفة منه ( مثل طباق السماوات والأرض ) . وفي حديث سلمان رضي اللّه عنه أنه قال : توضع الموازين يوم القيامة ولو وضعت فيهن السماوات والأرض لوسعتهن ، وفي حديث آخر : أن الجنة توضع عن يمين العرش والنار عن شماله ويؤتى بالميزان فتنصب بين يدي اللّه تعالى كفة للحسنات عن يمين العرش مقابلة للجنة ، وكفة للسيئات عن يسار العرش مقابلة للنار ، ثم إن المشهور أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال ، فما ورد بصيغة الجمع في الآيات والآثار للتعظيم . وقيل : يجوز أن يكون للعامل الواحد موازين يوزن بكل منها صنف من عمله ( توزن فيه الأعمال ) أي أعمال العباد المكلفين ، فخرج بذلك الملائكة لأنه فرغ عن الحساب وعن كتابة الأعمال خصوصا على القول بأن الصحف هي التي توضع في الميزان كما يأتي ، وكذا خرج منه الأطفال والأنبياء عليهم السّلام تشريفا لقدرهم ، وكذا من يدخل من الباب الأيمن من هذه الأمة كما ورد في حديث : ( بقدرة اللّه تعالى ) ولطيف حكمته وبديع صنعته ، والممسك للميزان جبريل عليه السّلام ، ( والصنج يومئذ مثاقيل الذر والخردل ) . الصنج : بالصاد والسين
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 57 | مرتضى الزبيدي