تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
منكر ونكير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العبد في قبره سويا ذا روح وجسد فيسألانه عن التوحيد والرسالة ويقولان له : من ربك وما دينك ومن نبيك وهما فتّانا
شرح
من شأنه الحياة وهو قول الأسفرايني والأكثرين وقال بعض الصوفية : ليس الموت بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقة وحيلولة بينهما وتبدل حال بحال وانتقال من دار إلى دار . ثم شرع المصنف في بيان ما أخبر به صلّى اللّه عليه وسلّم للأحوال التي تعرض بعد الموت فقال : ( وأوّله سؤال منكر ونكير ) . ويتقدم على ذلك وجوب اعتقاد أن ملك الموت يقبض روح كل ذي روح ، أي : يخرجها ويأخذها بإذن ربه من مقرها أو من يد أعوانه ، والمراد جميع أرواح الثقلين والملائكة والبهائم والطير وغيرهم ولو بعوضة ، بل قيل : حتى روح نفسه والأرواح : أجسام لطيفة متخللة في البدن تذهب الحياة بذهابها . وقيل : جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر ، وبه جزم النووي . وملك الموت اسمه عزرائيل ومعناه عبد الجبار عظيم هائل المنظر رأسه في السماء العليا ورجلاه في تخوم الأرض السفلى ، ووجهه مقابل اللوح المحفوظ والخلق بين عينيه ، وله أعوان بعدد من يموت يترفق بالمؤمن ويأتيه في صورة حسنة . ومن ذلك أيضا وجوب اعتقاد أن الأجل بحسب علم اللّه تعالى واحد لا تعدد فيه ، وأن كل مقتول ميت بسبب انقضاء عمره وعند حضور أجله في الوقت الذي علم اللّه في الأزل حصول موته فيه بإيجاده تعالى وخلقه من غير منع ومدخلية للقاتل فيه لا مباشرة ولا توليد ، أو انه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل ، ثم يجب اعتقاد أن السؤال في القبر حق أي أن الموتى تسئل في قبورها بعد تمام الدفن وعند انصراف الناس بأن يعيد اللّه الروح إلى الميت جميعه وتكمل حواسه فيرد إليهم ما يتوقف عليه فهم الخطاب ، ويتأتى معه الجواب من الحواس والعلم والعقل حتى يسأله الملكان ، ( وهما شخصان ) أسودان أزرقان ( مهيبان هائلان ) أي : فظان غليظان شعورهما إلى أقدامهما تلمع النار بين أنيابهما يشقان الأرض بهما . كلامهما كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف بأيديهما مقامع من حديد . ( يقعدان العبد في قبره ) أي : بعد تمام دفنه . هذا في حق المقبور وفي غيره بعد الموت ( سويا ) تاما ( ذا روح وجسد ) كامل الحواس ، وأفتى الشمس الرملي بأن السؤال على الرأس وحده إن انفصل لوجود أدلة النطق ، وأفتى الحافظ السيوطي بأن الميت إذا نقل لا يسأل حتى يدفن . قال بعضهم : ومثله المصلوب ، ( فيسألانه ) أو أحدهما يترفقان بالمؤمن وينتهران المنافق والكافر ، ولو تمزقت أعضاؤه أو أكلته السباع في أجوافها . وكذا الغريق والحريق وإن ذري في الريح ( عن التوحيد ) أي : وحدانية اللّه تعالى ، ( والرسالة ) أي : رسالة الأنبياء عليهم السّلام وما بلغوا . وقال القرطبي : اختلفت الأحاديث في كيفية السؤال والجواب ، وذلك بحسب الأشخاص ، فمنهم من يسأل عن بعض اعتقاداته ، ومنهم من يسأل عن كلها ، اه . وهذا السؤال خاص بهذه الأمة ، والمراد بها أمة الدعوة ، فيدخل المؤمنون والمنافقون والكافرون ، وورد في حق جماعة أنهم لا يسألون كالمرابط والشهيد بأنواعه ، والمراد به التخفيف