. . . . . . . . . .
شرح
بقي الكل ، ويكاد هذان الكلامان يتقاومان ، لكن من نصر الأول قال نفس النوم والبول لا يرفع ، وإنما يرفع حكمهما وهو شيء واحد تعددت أسبابه والتعرض لها ليس بشرط فإذا تعرض لها مضافا إلى سبب واحد كفت الإضافة إلى السبب وارتفع . والثالث : إن لم ينف رفع ما عداه صح وضوءه ، وإن نفاه فلا ، لأن نيته حينئذ تتضمن رفع الحدث وابقاءه ، فصار كما لو قال : ارفع الحدث لا أرفعه . والرابع : إن نوى رفع الحدث الأول صح وضوءه ، وإن نوى غيره فلا ، لأن الأول هو الذي أثر في المنع ونقض الطهارة . والخامس : إن نوى رفع الحدث الآخر صح وإن نوى غيره فلا ، لأن الآخر أقرب . وذكر بعضهم الخلاف فيما إذا نواه ونفى غيره ، فإن لم ينف صح بلا خلاف ، وهذا إذا كان الحدث الذي خصه بالرفع واقعا له فإن لم يكن كما إذا نوى رفع حدث النوم ولم ينم وإنما بال نظران كان غالطا صح وضوءه لأن التعرض لها ليس بشرط فلا يضر الغلط فيها ، وإن كان عامدا لم يصح في أحد الوجهين لأنه متلاعب بطهارته .
الثاني : استباحة الصلاة أو غيرها مما لا يباح إلا بالطهارة كالطواف وسجدة التلاوة والشكر ومس المصحف ، فإذا نواها وأطلق أجزأه لأن رفع الحدث إنما يطلب لهذه الأشياء إذا نواها ، فقد نوى غاية المقصد . وروي وجه أنه لا يصح الوضوء بنية الاستباحة لأن الصلاة ونحوها قد تستباح مع بقاء الحدث بدليل التيمم ، وإن نوى استباحة صلاة معينة ، فإن لم يتعرض لما عداها بالنفي ولا بالاثبات صح أيضا ، وإن نفى غيرها فثلاثة أوجه . أصحها : الصحة لأن المنوي ينبغي أن تباح ولا تباح إلا إذا ارتفع الحدث والحدث لا يتبعض ، والثاني : المنع لأن نيته تضمنت رفع الحدث وابقاءه كما سبق ، والثالث : يباح له المنوي دون غيره وإذا نوى ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن للمحدث ، وسماع الحديث وروايته ، والقعود في المسجد وغيرها فوجهان .
أظهرهما : أنه لا يصح وضوءه لأن هذه الأفعال مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث ، والثاني : يصح لأنه قصد أن يكون ذلك الفعل على أكمل أحواله ، ولن يكون كذلك إلا إذا ارتفع الحدث كما ذكرنا من الأمثلة ، وفيما إذا كان الاستحباب لا باعتبار الحدث كتجديد الوضوء ، فإن الغرض منه زيادة النظافة ، لكن المنع في القسم الثاني أظهر منه في الأوّل ، ولذلك قطع بعضهم بنفي الصحة فيه ، ولو شك في الحدث بعد تيقن الطهارة فتوضأ احتياطا ، ثم تبين أنه كان محدثا فهل يعتد بهذا الوضوء ؟ فيه هذان الوجهان ، لأن الوضوء والحالة هذه محبوب للاحتياط لا للحدث .
الثالث : أداء فرض الوضوء وهذا لأن النية معتبرة في الوضوء لجهة كونه قربة فأشبه سائر القربات ، ولهذا ذكروا وجهين في اشتراط الإضافة إلى اللّه تعالى كما في الصوم والصلاة وسائر العبادات ، والأولى أن لا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات ، بل يعتبر بها للتمييز ولو كان الاعتبار على توجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفرضية لأن الصحيح أنه لا يشترط التعرض للفرضية في الصلاة ، وقد نصوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه ، بل يلزم أن يجب التعرض للفرضية وإن نوى رفع الحدث أو الاستباحة .