تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الشرائع إلا ما قرره منها . وفضله على سائر الأنبياء وجعله سيد البشر . ومنع كمال
شرح
لكراهة إفراد أحدهما أي لفظا لا خطا أو مطلقا ، وقد تقدم البحث فيه في أوّل كتاب العلم في الخطبة . ( برسالته ) وهي السفارة بين اللّه وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجونه من مصالح الدارين ( إلى كافة ) قال الأزهري : هو مصدر على فاعلة كالعافية والعاقبة ولا يثنى ولا يجمع . وفي المصباح : وجاء الناس كافة . قيل منصوب على الحال نصبا لازما لا يستعمل إلا كذلك وعليه قوله تعالى :وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ[ سبأ : 28 ] أي إلّا للناس جميعا . ( العرب والعجم والجن والإنس ) . وقال أبو البقاء : إضافة كافة إلى ما بعدها خطأ لأنه لا يقع إلا حالا وإنما قيل : للناس كافة لأنه ينكف بعضهم إلى بعض ، وبالإضافة تصير إضافة الشيء إلى نفسه اه . هذا إذا أريد بالكافة الجماعة ، وإذا ذهب به إلى أنه مصدر كما قاله الأزهري فلا يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه فتأمل . والعرب اسم مؤنث ، ولهذا يوصف بالمؤنث فيقال : العرب العرباء والعرب العاربة ، وهم خلاف العجم سموا بذلك لأنهم سكنوا بلادا يقال لها العربات والخلاف في ذلك . وفي نسبهم بسطناه في شرح القاموس . والجن : بالكسر خلاف الإنس سموا بذلك لاستتارهم عن الأعين ، كما أن الإنس من أنس إذا ظهر أو ألف ، وتفصيل ذلك كله في شرح القاموس ، ثم أن المراد بهذا التعبير أنه مبعوث إلى الثقلين الإنس والجن . والعرب والعجم داخلون في الانس ، وقد يعبر عنهما بالأسود والأحمر ، وكونه مبعوثا إلى الثقلين خاصة اختاره الحليمي والبيهقي ، بل حكى الفخر الرازي والنسفي عليه الاجماع ، ومنهم من زاد والملائكة . وانتصر له السبكي مستدلا بآيةلِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً[ الفرقان : 1 ] وخبر أرسلت إلى الخلق كافة ، ونازع فيما حكي عن الحليمي بأن البيهقي نقله عنه وتبرأ منه ، والحليمي وإن كان سنيا لكن وافق المعتزلة في تفضيل الملك على البشر ، فظاهر حاله بناؤه عليه وبأن الاعتماد على تفسيرهما في حكاية إجماع انفردا بحكايته لا ينهض حجة عند أئمة النقل ، لأن مدارك نقل الاجماع إنما تتلقى من كلام أصحاب المذاهب المتبوعة . ومن يلحق بهم في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والاتقان والشهرة عند علماء النقل ، ( فنسخ بشريعته ) الواضحة السهلة الغراء ( الشرائع ) المتقدمة كلها ( إلا ما قرره منها ) والنسخ رفع الحكم الشرعي بخطاب ، ( وفضله على سائر الأنبياء ) بأنواع من الفضائل لخصوصية فضله بها في ذاته بها ارتفع كمالا فوق المراتب الكمالية إنسانية كانت أو ملكية . قال اللّه تعالى :تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ[ البقرة : 253 ] ذلك البعض هو الحقيقة المحمدية ، إذ هو أوّل نور تلقى من حضرة الوجوب ، بل لا متلقى على الحقيقة إلا هو ، فكان له صلّى اللّه عليه وسلّم حيثيتان : حيثية ابتدائية وبها حصل الكمال الاختصاصي المتوحد ، وحيثية انتهائية وبها حصل الكمال المتكثر الذي انقسم على الحقائق النبوية . وله عليه السّلام منه الحظ الأوفر الجامع بين كمالاتهم كلهم ، فمن حيث الكمال الاختصاصي كان رسولا لجميع العالم ، ومن حيث كماله الجمعي الاشتراكي كان رسولا للإنس