إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 545
كيفية الاستنجاء : ثم يستنجي لمقعدته بثلاثة أحجار ، فإن أنقى بها كفى وإلا استعمل رابعا ، فإن كيفية الاستنجاء : لما كان المحوج إلى الاستنجاء إنما هو قضاء الحاجة قدم آدابه ، ثم شرع في بيان كيفية الاستنجاء . اعلم أن الاستنجاء استفعال من النجو والسين للطلب أي طلب النجو ليزيله ، والنجو هو الأذى الباقي في فم أحد المخرجين ، وقيل : السين للسلب والإزالة كالاستعتاب ، وقيل : أصله الذهاب إلى النجو وهو ما ارتفع من الأرض كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي ، وبعد اتفاقهم على مشروعية الاستنجاء اختلفوا هل هو واجب أو سنّة ، وبالأوّل قال الشافعي ، وأحمد لأمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالاستنجاء بثلاثة أحجار ، وكل ما فيه تعدد يكون واجبا كوقوع الكلب . وقال مالك ، وأبو حنيفة والمزني من الشافعية : هو سنّة ، واحتجوا بحديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعا : « من استجمر فليوتر فمن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج » . وأجاب البيهقي بأن المراد فليوتر بعد الثلاث . ورد بأن الأمر للاستحباب وعنده الزيادة على الثلاث مع الانقاء بدعة وبدونه واجبة ، ثم اختلفوا في اشتراط العدد فقال الشافعي ، وأحمد : يشترط لما روى أبو داود ، عن عروة ، عن عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار » . وقال أبو حنيفة ، ومالك ، وداود : ليس بشرط بدليل ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود قال : أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين ولم أجد الثالث فأتيته بروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال : « هذا ركس » . فاستدل الطحاوي بقوله : وألقى الروثة على عدم اشتراط الثلاث ، وعلل بأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا . وأجيب : بأن في مسند أحمد في هذا الحديث بعد قوله : « هذا ركس ائتني بحجر » أو أنه عليه السّلام اكتفى بطرف أحد الحجرين عن الثالث ، لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات ، وذلك حاصل ولو بواحد له ثلاث أحرف . قال المصنف : ( ثم يستنجي مقعدته ) كناية عن الدبر إذا كان بالجامد وجب أن يستوفي ثلاث مسحات ، إما بأحرف حجر واحد وما في معناه أو بأحجار ، فقوله : ( بثلاثة أحجار ) ليس لتخصيص الحكم بها لأن غير الحجر مشارك للحجر في تحصيل مقصود الاستنجاء ، ولعل ذكر الأحجار جرى لغلبتها والقدرة عليها في عامة الأماكن ، فقوله المذكور مسوقا على موافقة الخبر ، وإلّا فالحكم غير مخصوص بالأحجار ، ( فإن أنقى ) الموضع بتلك الثلاثة الأحجار ونحوها ( كفى ) . وقال مالك ، وأبو حنيفة : إذا حصل الانقاء بما دون الثلاث كفى . قال الرافعي : ولأصحابنا وجه يوافقه حكاه أبو عبد اللّه الحناطي وغيره ، ( وإلّا ) أي إذا استوفى العدد لكنه لم ينق ( استعمل رابعة ) وجوبا حتى ينقي ، فإنه المقصود الأصلي من شرع