معنى ( الكلمة الثانية ) : وهي الشهادة للرسول بالرسالة وأنه بعث النبي الأمي
شرح
وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة ) وهي الأمور الخوارق للعادات المقرونة بالتحدي والموافقة للدعوى السالمة من المعارض على يد من يدعي النبوّة . وقول إمام الحرمين : أنه لا يمكن نصب دليل على النبوّة سوى المعجزة محمول على ما يصلح دليلا على الإطلاق والعموم ، ويصلح أن يكون حجة على المنكرين ، ( فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاؤوا به ) . وهذه المسألة معروفة بالتحسين والتقبيح العقليين . قالت الأشاعرة :
لا تحسين ولا تقبيح عقلا أي أن الأفعال إنما توصف بالحسن والقبح من حيث تعلق خطاب الشرع بها ، ودليله السمعي قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا[ الإسراء : 15 ] وبه تمسك المحدث أيضا ، وأما الصوفي فيقول : الأفعال كلها نسبتان : نسبة التكوين ونسبة التكليف . أما نسبة التكوين فعامة لأن الأفعال كلها للّه تعالى ، وبهذه النسبة لا توصف بحسن ولا قبح لاستواء الايجاد ، بل هي حسنة من حيث علم الفاعل وإرادته . وأما نسبة التكليف ، وهي الطلب فهي مختصة بأفعال المكلف ، ومن المعلوم أن الطلب للشيء فرع العلم به ، ولا علم بالحقيقة إلا للّه تعالى فلا تكليف ولا طلب إلا للّه تعالى ، وأيضا فإن تعلق الطلب بفعل أو ترك غيب فلا يعلم إلا بالتوقيف السمعي النبوي ، فإذا الحسن والقبح لا يدرك بمجرد العقل فلا حسن ولا قبح عقلا وهو المطلوب . وقالت الحنفية : إن العقل قد يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين أو لصفة ، فيدرك القبح المناسب لثبوت حكم اللّه تعالى بالمنع من الفعل على وجه ينتهض معه الاتيان به سببا للعقاب ، ويدرك الحسن المناسب لثبوت حكمه تعالى فيه بالإيجاب والثواب بفعله والعقاب بتركه وهو بعينه قول المعتزلة ، إلا أن المعتزلة أطلقوا القول بعدم توقف حكم العقل بذلك على ورود الشرع ، وسيأتي تحقيق ذلك على التفصيل في شرح الرسالة القدسية . وهذا الذي ذكره المصنف أشار به إلى النوع الثالث عند المتأخرين ، وهو معرفة ما يجوز في حق اللّه تعالى وهو فعل كل ممكن وتركه ، ومن فروعه بعثة الأنبياء إلى العباد وإثابة المطيع ومعاقبة العاصي ، وقد أشار إليهما المصنف وله فروع كثيرة وكلها مما لا يجب شيء منها على اللّه تعالى ولا يستحيل ، بل وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء . ولفظ الجائز والممكن مترادفان على معنى واحد وهو ما يصح في العقل وجوده وعدمه ، ثم لما كانت المباحث المتعلقة بهذا العلم منقسمة على ثلاثة أقسام .
قسم يتعلق بالالهيات أي المسائل المتعلقة بالإله عز وجل ، وقسم بالنبويات ، وقسم بالسمعيات .
وقد فرغ من قسم الإلهيات شرع في بيان القسم الثاني وهو النبويات وهي المسائل المبحوث فيها عن النبوة وأحوالها ، والثالث وهو السمعيات وهي المسائل التي لا تتلقى أحكامها إلا من السمع ولا تؤخذ إلا من الوحي فقال :
( معنى الكلمة الثانية ) : من الشهادتين ( وهي شهادة ) هكذا في سائر النسخ . وكأن تأنيث الضمير باعتبار ما أضيف إليه ( للرسول ) هكذا في سائر النسخ ، وقد وقع له هكذا في أوّل كتاب العلم ، وسبق التنبيه بأن التاج السبكي نقل في طبقاته عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه