تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
ولا يتصوّر الظلم من اللّه تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، فكل ما سواه من انس وجن وملك وشيطان وسماء وأرض وحيوان ونبات وجماد وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا ، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئا إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهارا لقدرته وتحقيقا لما سبق من إرادته ، ولما حق في الأزل من كلمته لا لافتقاره إليه وحاجته ، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لا عن
شرح
وللعادل حينئذ معنيان : أحدهما : عدوله من صفات النقص والعيب ، وعلى هذا فهو من صفاته الأزلية الواجبة له في الأزل ، والثاني : رجوعه عن ايقاع الجور وهو فعله ، فيكون حينئذ من أوصافه الفعلية المشتقة من فعله . وفي المقصد الأسنى للمصنف : العادل هو الذي يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم ولمن يعرف العادل من لم يعرف عدله ، ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله ، فمن أراد أن يفهم هذا الوصف فينبغي أن يحيط علما بأفعال اللّه تعالى من ملكوت السماوات إلى منتهى الثرى ، حتى إذا بهره جمال الحضرة الربوبية وحيره اعتدالها وانتظامها تعلق بفهمه شيء من معاني عدل اللّه في خلقه . ( إذ العبد يتصوّر منه الظلم ) والجور ( بتصرفه في ملك غيره ) أو مجاوزة الحد أو بوضع الشيء في غير محله بنقص أو زيادة ، ( ولا يتصوّر الظلم ) بهذه المعاني ( من اللّه تعالى ) تقدس عن ذلك ، ( فإنه لا يصادف لغيره ملكا ) على الحقيقة ( حتى يكون تصرفه فيه ظلما ) وتعديا ، ( فكل ما سواه من إنس وجن وشيطان وسماء وأرض وحيوان ونبات وجوهر وعرض ومدرك ومحسوس ) بأنواعها وأجناسها ( حادث ) بالذات والزمان ، ثم أشار إلى حدوث الزمان فقال : ( اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا ) على غير مثال سابق ، ثم أكد ذلك بقوله : ( وأنشأه انشاء ) بعد أن لم يكن شيئا . ( وأعطى كل شيء خلقه ) وهو بذلك جواد ورتبه في موضعه اللائق به ، وهو بذلك عدل ( إذ كان في الأزلي موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ) يشاركه أو يماثله في ذاته وصفاته وأفعاله إشارة إلى أن احداثه تعالى ذلك كان باختياره لا هو استكمال كمال زائد على ما كان قبل إحداثه ، ( فأحدث ) وأنشأ ( بعد عدمه ) المحض ( إظهارا لقدرته ) الباهرة ( وتحقيقا لما سبق من إرادته ) الأزلية بكونه ووجوده ، ( ولما حق في الأزل من كلمته ) التي لا تبدل . وفيه إشارة إلى أن تأثير القدرة فرع تأثير الإرادة ، إذ لا يوجد تعالى شيئا من الممكنات أو يعدم بقدرته إلا ما أراد تعالى وجوده أو إعدامه وتأثير الإرادة على وفق العلم ، فكل ما علم تعالى أنه يكون من الممكنات أو لا يكون فذلك مراده ( لا لافتقاره إليه ) أي إلى ذلك الإنشاء ( وحاجته ) تعالى اللّه عن ذلك وهو الغني المطلق ، وكل موجود سواه فقير إليه في وجوده وبقائه وسائر ما يمده به ، ( وأنه تعالى متفضل ) جواد ( بالخلق ) وهو الايجاد مطلقا ( والاختراع ) وهو الايجاد لا على مثال سابق ، ونعمة الايجاد شاملة لكل موجود ، ( والتكليف ) وهو إلزام ما فيه كلفة لا طلب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 49 | مرتضى الزبيدي