الثاني : الرطوبات الخارجة من باطنه فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر فهو طاهر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط ، وما له مقر وهو مستحيل فنجس ، إلا ما هو مادة
شرح
والآدمي والجراد ومشيمة الآدمي . وهذه الأشياء طاهرة على المذهب الصحيح ، ولذلك يدخل فيه شعور الآدمي . فإنه غير منتفع به حتى يدخل في المستثنى ، وإذا لم يتناوله الاستثناء بقي داخلا في المستثنى منه ومع ذلك فهو طاهر ، فظهر تعذر العمل بالظاهر ووقوع الحاجة إلى التأويل ، ومما ينبغي أن يتنبه له معرفة أن تفصيل الشعور المبانة وتقسيمها إلى طاهر ونجس مبني على ظاهر المذهب في نجاسة الشعور بالإبانة . فإن قلنا : لا تنجس بالموت فلا تنجس أيضا بالإبانة بحال ، واللّه أعلم .
( والعظم ينجس بالموت ) لكونه مما تحله الحياة وهو قول مالك والشافعي وأحمد . وقال أبو حنيفة : لا ينجس وهي رواية ابن وهب عن مالك .
( الثاني : الرطوبات الخارجة من باطنه ) أي الحيوان وهي أيضا قسمان . أشار إلى القسم الأوّل بقوله : ( فكل ما ليس مستحيلا ولا له مقر ) أي ليس له اجتماع واستحالة في الباطن ، وإنما يرشح رشحا ( فهو طاهر ) ، إن كان من حيوان طاهر ، فإن حكمه حكم الحيوان المترشح منه إن كان نجسا فنجس وإن كان طاهرا فطاهر ( كالدمع والعرق واللعاب والمخاط ) . أما الدمع ؛ فما يسيل من العين عند الغم أو السرور أو البرد ، والعرق ما يتحلب من الجسد عند الحر أو العمل الشديد ، واللعاب ما يسيل من فم الإنسان يقظة ونوما من غلبة الرطوبات البلغمية أو من حركة دود القرع ، والمخاط ما يسيل من الأنف وهو جامد ، فإن كان رقيقا فهو ذنين ، واستدلوا على طهارة العرق بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم ركب فرسا عريا لأبي طلحة فركضه ولم يتحرز عن العرق . قال الرافعي : والتعرض للترشح ، إنما وقع لأن الغالب فيه الخروج على هيئة الترشح لا أنه من خواصه أو ان الطهارة منوطة به . ألا ترى أن الدم والصديد قد يترشحان من القروح والنفاطات وهما نجسان ، وقوله في الوجيز : ليس له مقر يستحيل فيه لا يلزم من ظاهره أن لا يكون مستحيلا أصلا لجواز أن يكون مستحيلا لا في مقر ، فإن كان الدمع وسائر ما يقع في هذا القسم لا يستحيل أصلا فالتعرض لنفي المقر ضرب من التأكيد والبيان ، وإن كان يستحيل لا في مقر فالحكم منوط بنفي الاستحالة في المقر لا بمطلق نفي الاستحالة .
ثم أشار المصنف إلى القسم الثاني بقوله : ( وما له مقر وهو مستحيل ) أي ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج . قال الرافعي : والمعنى وما استحال في مقر في الباطن ( فنجس ) كالدم والبول والعذرة ، كذا في الوجيز . وهذه الأشياء نجسة من الآدمي ومن سائر الحيوانات المأكول منها وغير المأكول . أما في غير المأكول فبالاجماع ، وأما في المأكول فبالقياس عليه لأنها متغيرة مستحيلة .
وذهب مالك وأحمد إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه . وبه قال أبو سعيد الإصطخري من أصحابنا ، واختاره القاضي الروياني وتمسكوا بأحاديث مشهورة في الباب مع تأويلها ومعارضتها ، وهل يحكم بنجاسة هذه الفضلات من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه وجهان . قال أبو جعفر الترمذي : لا