عنده من أفضل القربات . فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله فيبقى محفوظا عليه ، وأشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله فيتوفر الخير عليه من الجوانب كلها وليتفطن بهذا المثل لنظائره من الأعمال وترتيب فضائلها ووجه تقديم البعض منها على البعض ، فتدقيق الحساب في حفظ لحظات العمر بصرفها إلى الأفضل أهم من التدقيق في أمور الدنيا بحذافيرها . وإذا عرفت هذه المقدمة واستبنت أن الطهارة لها أربع مراتب . فاعلم أنا في هذا الكتاب لسنا نتكلم إلا في المرتبة الرابعة وهي نظافة الظاهر لأنا في الشطر الأوّل من الكتاب لا نتعرض قصدا إلا للظواهر . فنقول طهارة الظاهر
شرح
إن لم تشتغل ) بأمر ما ( شغلت صاحبها ) فرمته في المتاعب يصعب عليه التخلص منها ، وهذا كما يقولون : النفس إن لم تقتلها قتلتك ( وإذا قصد به التقرب إلى العالم ) أو العامل ( صار ذلك عنده من أفضل القربات ) ، وبهذا القصد وقع الفارق في أفعاله ، فأعظم الناس منزلة وأكثرهم خيرا وبركة الواقف مع قصده في حركته وسكونه . وكتب سالم بن عبد اللّه إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما اللّه تعالى : اعلم يا عمر أن عون اللّه للعبد بقدر النية فمن ثبتت نيته تم عون اللّه له ، ومن قصرت عنه نيته قصر عنه عون اللّه بقدر ذلك . وكتب بعض الصالحين إلى أخيه :
أخلص النية في أفعالك يكفك قليل العمل . ( فوقت العالم أشرف من أن يصرفه إلى مثله ) من القصر والغسل لأنه عنده كالسيف إن لم يقطعه بالطاعة قطعه بالقطيعة ، ( فيبقى ) وقته ( محفوظا عليه وأشرف وقت العامي أن يشتغل بمثله ) لسلامته من الوقوع فيما لا يعني ، ( فيتوفر الخير من الجوانب ) أي من الجانبين ، وكل منهما بقصد صحيح وعقد رجيح .
( وليتفطن بهذا المثال ) الذي أوردناه ( لنظائره من ) سائر ( الأعمال وترتيب فضائلها ووجه تقديم بعضها على البعض ) على اختلاف المقاصد والنيات ، فقد يكون العمل قليلا في الأعين وهو كبير عند اللّه بحسن النية والإخلاص ، وقد يكون فضل عمل على آخر بوجهين وثلاثة وأقل وأكثر ، وقد ساق من ذلك ابن الحاج في أول المدخل ما يشفى به الغليل وتثلج به الصدور . ( فتدقيق الحساب في حفظ لحظات العمر ) وآنائه التي هي كل ذرة منها رخيصة بألف درة ( بصرفها إلى الأفضل ) . فالأفضل ( أهم من التدقيق في ) متعلقات ( أموال الدنيا بحذافيرها ) أي بجميعها . ( فإذا عرفت هذه المقدمة واستيقنت ) بقلبك ( أن الطهارة لها أربع مراتب ، فاعلم أنا في هذا الكتاب ) أي أسرار الطهارة ( لسنا ) وفي نسخة :
لا ( نتكلم إلا في المرتبة الرابعة ) وهي الأولى بالنسبة إلى سياقه الأول ( وهي نظافة الظاهر ) ونقاوته عن الأوساخ والاحداث ، ( لأنا في الشطر الأوّل من الكتاب لا نتعرض قصدا إلا للظاهر ) وهي الطهارة الجسمانية . وأما المراتب الثلاثة منها ، فإن المصنف يشير إليها في مجموع كتابه هذا لو تأمل الإنسان في سياقاته لوجدها دالة عليها . ( فنقول : طهارة الظاهر ) على ( ثلاثة أقسام : طهارة عن الخبث ) بدنا وثوبا وهو النجس الحقيقي ، ( وطهارة عن الحدث )